بِمَيِّتٍ
في الحقيقة
وَمِنْ وَرائِهِ
وعقبه
عَذابٌ غَلِيظٌ
وشديد غايته .
قيل : إنّ في كلّ وقت يرد عليه عذاب أشدّ ممّا قبله . وقيل : العذاب الغليظ : قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد « 1 » . وقيل : إنّه الخلود « 2 » .
[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 18 ]
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ( 18 )
ثمّ بيّن سبحانه غاية خسرانهم بسبب ضياع أعمالهم الخيرية وعدم انتفاعهم بها بقوله : و
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ
وحالهم الغريبة التي هي كالمثل في الغرابة
أَعْمالُهُمْ
وقيل : إنّ المراد مثلهم فيما يتلى عليكم .
ثمّ كأنّه قيل : كيف يكون مثلهم ؟ أو ما بال أعمالهم التي عملوها في وجوه البرّ من صلة الأرحام ، وإعتاق الرقاب ، وإغاثة الملهوفين وأمثالها ؟ فأجيب بأنّ تلك الأعمال
كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ
« 3 » ومرّت
بِهِ الرِّيحُ
الشديدة بقوة وسرعة
فِي يَوْمٍ عاصِفٍ
وزمان شديد الريح ، فحملته وذهبت به ، فكما لا يوجد من الرماد في [ ذلك ] الوقت شيء ، ولا يرى له أثر ، فكذلك الكفّار
لا يَقْدِرُونَ
يوم القيامة
مِمَّا كَسَبُوا
وعلموا من الخيرات
عَلى
تحصيل
شَيْءٍ
يسير منه ، ولا يرون له أثرا من ثواب أو تخفيف عذاب ، لكونه مع الكفر .
وقيل : إنّ المراد بأعمالهم عبادتهم الأصنام ، وما تكلّفوه لهم دهرا طويلا باعتقاد الانتفاع به « 4 » .
وقيل : إنّ المراد كلا القسمين « 5 » .
ذلِكَ
الكفر الموجب لهذا الخسران
هُوَ
بالخصوص
الضَّلالُ الْبَعِيدُ
والانحراف غير المتناهي عن طريق الصواب والخسران العظيم الذي لا يتصوّر له حدّ .
[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 19 إلى 20 ]
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ( 19 ) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ( 20 )
ثمّ لمّا بيّن سبحانه شدّة عذاب الآخرة ، وكان المشركون منكرين للمعاد ، استدلّ سبحانه عليه بقوله :
أَ لَمْ تَرَ
يا محمّد ، أو يا عاقل ببصيرة قلبك وحكم عقلك
أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ
بقدرته
السَّماواتِ
هامش
( 1 و 2 ) . تفسير الرازي 19 : 104 .
( 2 ) . تفسير أبي السعود 5 : 40 .
( 3 ) . تفسير الرازي 19 : 105 ، تفسير روح البيان 4 : 408 .
( 4 ) . تفسير الرازي 19 : 105 .
( 5 ) . تفسير الرازي 19 : 105 .