تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 473

مساهمون:

ص٤٧٣
وَ
أمّا
الَّذِينَ يَدْعُونَ
ويعبدون شيئا ، أو الأصنام الذين يدعون هؤلاء المشركون باللّه
مِنْ دُونِهِ
وممّا سواه
لا يَسْتَجِيبُونَ
دعاء الذين دعوهم ، ولا يقضون
لَهُمْ بِشَيْءٍ
من حوائجهم ، ولا يكون دعاؤهم وعبادتهم لهم
إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ
ومادّ يديه
إِلَى الْماءِ
الذي في قعر البئر
لِيَبْلُغَ
ذلك الماء
فاهُ
من دون أن يخرجه بدلو وحبل ، ومن الواضح أنّ ذلك الماء لا يكون وأصلا إلى فيه بنفسه
وَما هُوَ بِبالِغِهِ
بصرف بسط اليد إليه واستدعائه أن يخرج من البئر ويبلغ فاه ؛ لأنّه جماد لا يسمع الدعاء ، ولا يتحرّك من محلّه بغير محرّك شاعر ، فكذا ما يدعو المشركون من الجمادات لا يسمعون دعاءهم ، ولا يستطيعون إجابتهم ، ولا يقدرون على نفعهم . عن الباقر عليه السّلام : « هذا مثل ضربه اللّه للذين يعبدون الأصنام والذين يعبدون الآلهة من دون اللّه فلا يستجيبون لهم بشيء ، ولا ينفعهم إلّا كباسط كفّيه إلى الماء ليتناوله من بعيد ولا يناله » « 1 » . ثمّ بيّن عدم انتفاع المشركين بدعوتهم وعبادتهم بقوله :
وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ
وعبادتهم
إِلَّا فِي ضَلالٍ
وضياع لا ينتفعون بها أبدا ، ثمّ أنّه تعالى بعد تخصيص الدعوة الحقّة بذاته المقدسة ، خصّ الخضوع والانقياد أيضا بنفسه بقوله :
وَلِلَّهِ
وحده
يَسْجُدُ
ويخضع
مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
من الملائكة والجن والانس لظهور عظمته للكلّ ، ونفوذ إرادته في الكلّ ، ومقهورية الجميع تحت قدرته ، فان كانت إرادته موافقة لاشتياقهم كالايجاد والاغناء والصحة ، كان انقيادهم له
طَوْعاً
ورغبة ونشاطا ، وإن كانت مخالفة له كالاعدام والإفقار والإسقام ، كان انقيادهم له اضطرارا
وَكَرْهاً
. والحاصل أنّ السجود على ما قيل هو الانقياد التكويني ، فان كانت التغييرات الحاصلة في الأشياء بإرادته تعالى موافقة لطباعها يكون انقيادها لها بالطوع ، وإن كانت مخالفة لها يكون انقيادها بالكره .
وَظِلالُهُمْ
يسجدون بهذا المعنى للّه
بِالْغُدُوِّ
والصباح
وَالْآصالِ
والأعصار ، في أول النهار وآخره ، وهما كناية عن جميع الأوقات من النهار ، وإنما خصّهما بالذّكر لكثرة ميلانها فيهما . عن أمير المؤمنين عليه السّلام : « وسجدت له بالغدوّ والآصال الأشجار » « 2 » . وعن القمي : ظلّ المؤمن يسجد طوعا ، وظلّ الكافر يسجد كرها ، وهو نموهم وحركتهم « 3 » . وعنه أيضا : تحويل كلّ ظلّ خلقه اللّه هو سجوده للّه ؛ لأنّه ليس شيء إلّا له ظلّ يتحرّك بتحريكه ، وتحويله « 4 » سجوده « 5 » .
هامش
( 1 ) . تفسير القمي 1 : 361 ، تفسير الصافي 3 : 62 . ( 2 ) . نهج البلاغة : 191 / الخطبة 133 ، تفسير الصافي 3 : 63 . ( 3 ) . تفسير القمي 1 : 362 ، تفسير الصافي 3 : 63 . ( 4 ) . في المصدر : وتحريكه . ( 5 ) . تفسير القمي 1 : 386 ، تفسير الصافي 3 : 63 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 473 | الشيخ محمد النهاوندي