وذكرت لآدم ذلك ، فلم يزالا في همّ من ذلك . ثمّ أتاها وقال : إن سألت اللّه أن يجعله صالحا سويّا مثلك ويسهّل خروجه من بطنك تسمّيه عبد الحارث ؛ وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث ، فذلك قوله تعالى :
فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما
أي لمّا آتاهما اللّه ولدا سويّا صالحا جعلا له شركاء ، أي جعل آدم وحوّاء له شريكا ، والمراد به الحارث « 1 » .
أقول : فيه ما لا يخفى من الإشكال .
وقيل : إن ضمير ( جعلا ) راجع إلى صنفين من أولاد آدم وحوّاء ؛ الذّكور والإناث ، وكذا ضمير التّثنية في قوله :
فِيما آتاهُما
« 2 » .
وعن الرضا عليه السّلام أنّه قال له المأمون : يا بن رسول اللّه ، أليس من قولك إنّ الأنبياء معصومون ؟ قال :
« بلى » ، قال : فما معنى قول اللّه عزّ وجلّ :
فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ؟
فقال الرضا عليه السّلام : « إنّ حوّاء ولدت لآدم خمسمائة بطن ، في كلّ بطن ذكر وأنثى ، وإنّ آدم وحوّاء عاهدا اللّه تعالى ودعواه وقالا :
لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً
من النّسل خلقا سويا بريئا من الزّمانة والعاهة ، كان ما آتاهما صنفين [ صنفا ذكرانا ، و ] صنفا إناثا ، فجعل الصّنفان للّه شركاء فيما آتاهما ، ولم يشكراه كشكر أبويهما له عزّ وجلّ ، قال اللّه عزّ وجلّ :
« فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ »
. فقال المأمون : أشهد أنّك ابن رسول اللّه « 3 » .
وقيل : إنّ الآية ردّ على المشركين القائلين بأنّ آدم كان يعبد الأصنام ويرجع في الخير والشّر إليهما « 4 » . وقوله :
جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ
في معنى الاستفهام الإنكاري ، والمراد : ما جعلا له شركاء « 5 » ، وقوله :
فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
أي تعالى اللّه عن شرك هؤلاء المشركين القائلين بالشّرك ، وينسبونه إلى آدم عليه السّلام « 6 » .
وقيل : إنّ آدم وحوّاء جعلا على أنفسهما إن آتاهما اللّه صالحا أن يجعلاه وقفا على خدمة اللّه وطاعته وعبوديّته على الإطلاق ، ثمّ بدا لهما في ذلك فتارة كانوا ينتفعون به في مصالح الدّنيا ومنافعها ، وتارة كانوا يأمرونه بخدمة اللّه وطاعته « 7 » ، فلهذا قال تعالى :
فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ .
عن الباقرّ عليه السّلام : « هما آدم وحوّاء ، وإنّما كان شركهما شرك طاعة وليس شرك عباده » « 8 » .
وقيل : إنّ اللّه تعالى ذكر هذه القصّة على طريق ضرب المثل ، وتقريره كأنّه تعالى يقول : هو الذي
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 15 : 85 .
( 2 ) . راجع : تفسير الرازي 15 : 88 .
( 3 ) . عيون أخبار الرضا عليه السّلام 1 : 196 / 1 ، تفسير الصافي 2 : 259 .
( 4 ) . تفسير الرازي 15 : 87 .
( 5 ) . في تفسير الرازي : التقدير : فلمّا آتاهما صالحا أجعلا له شركاء .
( 6 ) . تفسير الرازي 15 : 87 .
( 7 ) . تفسير الرازي 15 : 88 .
( 8 ) . تفسير العياشي 2 : 177 / 1668 ، تفسير الصافي 2 : 259 .