تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
وروي أنّه أمر بغرس الأشجار ، فنمت تلك الأشجار ، في مدّة عشرين سنة ، فلم يولد في تلك المدّة مولود ، وبلغت الأطفال التي ولدت من قبل ، وكفروا وعارضوا نوحا تبعا لآبائهم « 1 » . ثمّ لمّا كان نوح عليه السّلام كثير الشّفقة على قومه ، أوحى اللّه إليه بقوله :
وَلا تُخاطِبْنِي
ولا تراجعني
فِي
شأن
الَّذِينَ ظَلَمُوا
أنفسهم بالكفر والطّغيان ، ولا تشفع لهم في دفع العذاب عنهم
إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ
بالطّوفان لا محالة في حكمي وقضائي ، فلا يمكن صرفه عنهم .
وَ
كان نوح
يَصْنَعُ الْفُلْكَ
التي أمر بصنعها
وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ
وأشراف
مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ
إمّا لعدم معرفتهم بنفعها - قيل : إنّ قومه قالوا : ما تصنع يا نوح ؟ فقال : أصنع بيتا يمشي على الماء ، فتعجّبوا وسخروا منه - وإمّا لأنّه كان يصنعها في أبعد موضع من الماء في وقت غاية عزّته « 2 » ، وكان القوم يتضاحكون ويقولون : يا نوح ، صرت نجّارا بعد ما كنت نبيّا ، ويقولون : أتجعل للماء إكافا « 3 » ، فأين الماء « 4 » ؟ ! وعن الباقر عليه السّلام : « أنّ نوحا عليه السّلام لمّا غرس النّوى ، مرّ عليه قومه فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون : قد قعد غرّاسا ، حتّى إذا طال النّخل ، وكان جبّارا طوالا ، قطعه ثمّ نحته ، فقالوا : قد قعد نجّارا . ثمّ ألّفه فجعله سفينة ، فمرّوا عليه فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون : قد قعد ملّاحا في فلاة الأرض ؛ حتّى فرغ منها » « 5 » . وقيل : إنّه كان ينذرهم بالغرق ، فلمّا طال مكثه فيهم ولم يشاهدوا منه عينا ولا أثرا ، عدّوه من المحالات ، ثمّ لمّا رأوا اشتغاله بأسباب الخلاص منه سخروا منه « 6 » . فلمّا رأى نوح عليه السّلام سخريتهم
قالَ
لهم :
إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا
اليوم
فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ
إذا وقع عليكم الغرق في الدّنيا ، والحرق في الآخرة
كَما تَسْخَرُونَ
منّا .

[ سورة هود ( 11 ) : آية 39 ]

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 39 ) ثمّ هدّدهم بقوله :
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
وعن قريب تشهدون
مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ
عظيم في الدّنيا
يُخْزِيهِ
ويذلّه ، وهو الطّوفان
وَيَحِلُّ
ويرد
عَلَيْهِ
في الآخرة
عَذابٌ
بالنّار
مُقِيمٌ
دائم لا انقطاع له أبدا .
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 4 : 123 . ( 2 ) . أي قلّته . ( 3 ) . الإكاف : البرذعة أو البردعة ، وهي ما يوضع على الحمار أو البغل ليركب عليه كالسّرج للفرس . ( 4 ) . تفسير روح البيان 4 : 125 . ( 5 ) . الكافي 8 : 283 / 425 ، تفسير الصافي 2 : 443 . ( 6 ) . تفسير الرازي 17 : 224 .