ثمّ أخبر اللّه عن بعض أقاويل المنافقين المؤثّرة في تثبيط المؤمنين عن الجهاد بقوله :
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ
من اللّه إلى الرّسول
سُورَةٌ
من سور القرآن وسمعها المنافقون
فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ
لإخوانهم المنافقين استهزاء وسخرية ، أو لبعض المؤمنين صرفا لهم عن الإيمان ، وتثبيطا لهم عن الجهاد
أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ
السّورة المنزلة
إِيماناً
بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله ودينه .
ثمّ أجاب اللّه سبحانه عنهم بقوله :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
بمحمّد ، عن صميم القلب ، وبرئوا عن النّفاق
فَزادَتْهُمْ
السّورة المنزلة
إِيماناً
باللّه وبرسالة محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، ويقينا بها لظهور كونها كلام اللّه ، الخارج إتيان مثلها من طوق البشر
وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
ويفرحون بنزولها لما يعتقدون بأنّ فيها المنافع الدنيويّة والاخرويّة لأنفسهم ولإخوانهم المؤمنين
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
من الكفر والشكّ والنّفاق والكبر والحسد ، وغيرها من الرّذائل
فَزادَتْهُمْ
تلك السّورة بسماعها
رِجْساً
وكفرا منضمّا
إِلَى رِجْسِهِمْ
وكفرهم السّابق لازدياد حسدهم الرّسول صلّى اللّه عليه وآله على ما آتاه اللّه من فضله ، وإصرارا على عنادهم للحقّ ، حتّى أحاطت ظلمة الكفر على قلوبهم فطبع عليها
وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ .
في الحديث : أنّ اللّه يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين « 1 » ، كما قال :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
« 2 » .
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 126 ]
أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 126 )
ثمّ وبّخهم اللّه تعالى وأنكر عليهم الإصرار على الكفر والنّفاق مع وفور دلائل الحقّ المقتضية للإيمان والخلوص ، بقوله :
أَ وَلا يَرَوْنَ
والتّقدير : ألا ينظرون ولا يرون
أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ
ويبتلون امتحانا
فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً
من أعوام أعمارهم بالأمراض ، والشّدائد الموجبة لتفكّرهم في العواقب ، وتذكّرهم للموت ، وتنبيههم لفناء الدّنيا مرّة واحدة
أَوْ مَرَّتَيْنِ
- قيل : هو كناية عن الكثرة « 3 » -
ثُمَّ
مع ذلك
لا يَتُوبُونَ
ولا يرجعون عن كفرهم ونفاقهم
وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ
ويتّعظون بتلك الفتن ، ولا ينتبهون بسوء عاقبة الكفر ومعاندة اللّه والرّسول .
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 127 ]
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 127 )
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 3 : 540 .
( 2 ) . البقرة : 2 / 26 .
( 3 ) . تفسير روح البيان 3 : 541 .