النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لأهل المدينة قبل هجرته إليها ، فلمّا هاجر إليها وآمن به أهلها ، تركوا صحبة أبي عامر « 1 » ، فحسد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وقال له : ما هذا الدّين الذي جئت به ؟ قال : « دين إبراهيم الخليل » . قال : لا واللّه ، ليس ذلك . فقال النبيّ : « بل جئت بها بيضاء نقيّة » . فقال أبو عامر : أمات اللّه من [ هو ] كاذب منّا طريدا وحيدا غريبا . فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله : « آمين » ، فهرب بعد غزوة بدر ولحق بكفّار مكّة « 2 » .
وعن تفسير الإمام عليه السّلام : « أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان تأتيه الأخبار عن صاحب دومة الجندل ، وكان ملك النواحي ، له مملكة عظيمة ممّا يلي الشام ، وكان يهدّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بقصده وقتل أصحابه ، وكان أصحاب رسول اللّه خائفين وجلين من قبله . . . ثمّ إنّ المنافقين اتّفقوا وبايعوا لأبي عامر الرّاهب الذي سمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الفاسق ، وجعلوه أميرا عليهم ، وبخعوا له بالطّاعة ، فقال لهم : الرأي أن أغيب عن المدينة لئلّا اتّهم إلى أن يتمّ تدبيركم ، وكاتبوا أكيدر صاحب دومة الجندل ليقصد المدينة « 3 » .
فأوحى اللّه إلى محمّد صلّى اللّه عليه وآله وعرّفه ما أجمعوا عليه من أمره ، وأمره بالمسير إلى تبوك ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كلّما أراد غزوا ورّى بغيره إلّا غزوة تبوك ، فإنّه أظهر ما كان يريده ، وأمر أن يتزوّدوا لها ، وهي الغزاة التي افتضح فيها المنافقون ، وذمّهم اللّه في تثبطهم عنها ، وأظهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ما أوحي إليه أنّ اللّه سيظهره بكيدر - أو أكيدر - حتّى يأخذه ويصالحه على ألف اوقّية من ذهب في رجب ومائتي حلّة ، وألف أوقيّة في صفر ومائتي حلّة ، وينصرف سالما إلى ثمانين يوما ، وقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله :
إنّ موسى وعد قومه أربعين ليلة ، وأنا أعدكم ثمانين ليلة ، ثمّ أرجع سالما غانما ظافرا بلا حرب تكون ، ولا يستأسر أحد من المؤمنين . فقال المنافقون : لا واللّه ، ولكنّها آخر كرّاته [ التي ] لا ينجبر بعدها ، إنّ أصحابه ليموت بعضهم في الحرّ ورياح البوادي ومياه المواضع المؤذية الفاسدة ، ومن سلم من ذلك فبين أسير في [ يد ] أكيدر ، وقتيل وجريح .
واستأذنه المنافقون بعلل ذكروها ؛ بعضهم يعتلّ بالحرّ ، وبعضهم بمرض في جسده ، وبعضهم بمرض عياله ، وكان يأذن لهم .
فلمّا صحّ عزم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله على الرّحلة إلى تبوك ، عمد هؤلاء المنافقون فبنوا خارج المدينة مسجد ضرار ، يريدون الاجتماع فيه ، ويوهمون أنّه للصّلاه ، وإنّما كان ليجتمعوا فيه لعلّة الصلاة فيتمّ تدبيرهم وتقع هناك ما يسهل به لهم ما يريدون .
ثمّ جاء جماعة منهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وقالوا : يا رسول اللّه ، إنّ بيوتنا قاصية عن مسجدك ، وإنّا
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 3 : 505 .
( 2 ) . تفسير روح البيان 3 : 506 .
. ( 3 ) . زاد في المصدر : ليكونوا هم عليه ، وهو يقصدهم فيصطلموه .