تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ
في التخلّف عنكم
إِذا رَجَعْتُمْ
من غزوة تبوك
إِلَيْهِمْ .
ثمّ لمّا كان الجواب وظيفة الرسول ، أمره اللّه بأن يجيبهم بقوله :
قُلْ
يا محمّد لهم :
لا تَعْتَذِرُوا
فإنّ فائدة الاعتذار دفع التوهّم السّوء في حقّ المعتذر ، وهو لا يكون إلّا بتصديق المعتذر إليه ، ونحن
لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ
ولا نصدّقكم في اعتذاركم أبدا ؛ لأنّه
قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ
وأخبرنا بالوحي بعضا
مِنْ أَخْبارِكُمْ
الموجب للعلم بضمائركم من الكفر والشرّ والفساد ، فلذا لا يمكننا تصديقكم فيما هو معلوم الكذب عندنا
وَسَيَرَى اللَّهُ
فيما بعد
عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
من التّوبة ، ونصرة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، والنّصح له ، وغيرها ممّا له شهادة على صدق اعتذاركم ، ومن الغدر والكفر والفساد ما هو من أدلّة كذبه
ثُمَّ تُرَدُّونَ
وترجعون بالموت من الدّنيا
إِلى عالِمِ الْغَيْبِ
ودار الجزاء المستورة عن الأنظار
وَ
عالم
الشَّهادَةِ
وكشف السّر عمّا في الضمائر ، ورفع الحجاب عن الجنّة والنّار
فَيُنَبِّئُكُمْ
اللّه عند ردّكم إليه ووقوفكم بين يديه
بِما كُنْتُمْ
في الدّنيا
تَعْمَلُونَ
من السيّئات السّابقة واللّاحقة ، والحسنات بما يحكم به عليكم من العتاب والعقاب ، ولكم من الإكرام والثّواب .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 95 ]

سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 95 ) ثمّ بعد بيان كذبهم في الاعتذار ، ذمّهم سبحانه بحلفهم الكاذب عليه بقوله :
سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ
تأكيدا لمعاذيرهم الكاذبة
إِذَا انْقَلَبْتُمْ
وانصرفتم من سفر الغزو
إِلَيْهِمْ :
إنّا ما قدرنا على الخروج ، ولو قدرنا ما تخلّصنا ، كما قيل : إنّه مقالة جدّ بن قيس ، ومعتّب بن قشير وأصحابهما « 1 »
لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ
عن لومهم وتعنيفهم ، وتصفحوا عن تقصيرهم . قيل : إنّهم طلبوا إعراض الصّفح ؛ فأمر اللّه المؤمنين بإعراض المقت « 2 » بقوله :
فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ .
عن ابن عبّاس : يريد ترك الكلام والسّلام « 3 » . وقيل : قال النبي صلّى اللّه عليه وآله حين قدم المدينة : « لا تجالسوهم ولا تكلّموهم » « 4 » . ثمّ نبّه سبحانه على علّة الإعراض بقوله :
إِنَّهُمْ رِجْسٌ
وقذر ذاتا وروحا ، لا يتطهّرون بالتّقريع والنّصح
وَمَأْواهُمْ
ومقرّهم في الآخرة
جَهَنَّمُ
لا ينجون منها
جَزاءً بِما كانُوا
في الدّنيا
يَكْسِبُونَ
من الكفر وقبائح الأعمال ، فإذا كانوا كذلك تكون مجالستهم ومكالمتهم مؤثّرة في ظلمة
هامش
( 1 ) . تفسير أبي السعود 4 : 95 ، تفسير روح البيان 3 : 487 . ( 2 و 3 و 4 ) . تفسير الرازي 16 : 164 .