ثمّ لمّا بيّن اللّه أنّ المنافقين مستحقّين للعذاب ، وأنّ جهنم محيطة بهم ، بيّن أنّ نفقاتهم وصدقاتهم غير مقبولة عند اللّه ، وغير نافعة لهم بقوله :
قُلْ
يا محمّد لهؤلاء المنافقون :
أَنْفِقُوا
على الفقراء والمجاهدين إن شئتم
طَوْعاً أَوْ
إن شئتم
كَرْهاً
واعلموا أنّها على أيّ التقديرين
لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ
عند اللّه ، ولن تثابوا عليها أبدا لا في الدّنيا ولا في الآخرة .
ثمّ نبّه على العلّة بقوله :
إِنَّكُمْ
أيّها المنافقون
كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ
وخارجين عن حدود الإسلام إلى الكفر .
عن ابن عبّاس : نزلت في الجدّ بن قيس حين قال للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله : ائذن لي في القعود ، وهذا مالي أعينك به « 1 » .
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 54 ]
وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ ( 54 )
ثمّ بيّن سبحانه أنّ الفسق المانع عن قبول الصّدقات هو البالغ حدّ الكفر بقوله :
وَما مَنَعَهُمْ
وحرمهم من
أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ
ويثابون عليها شيئا
إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ
وبدين الإسلام ،
وَ
لذا
لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ
جماعة أو فرادى
إِلَّا وَهُمْ كُسالى
ومتثاقلون
وَلا يُنْفِقُونَ
أموالهم على الفقراء والمجاهدين
إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ
للإنفاق لعدم اعتقادهم النّفع فيهما ، وعدم خوفهم من العقاب على تركهما .
روي أن الجدّ بن قيس تاب بعد ذلك من نفاقه ، وحسن حاله ، ومات في خلافة عثمان « 2 » .
عن الصادق عليه السّلام : « لا يضرّ مع الإيمان عمل ، ولا ينفع مع الكفر عمل ، ألا ترى أنّه تعالى قال :
وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ
الآية ؟ » « 3 » .
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 55 ]
فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ( 55 )
ثمّ بيّن سبحانه أنّ أموالهم وأولادهم مع أنّهما لا ينفعانهم في الدّنيا ، يكونان وبالا عليهم واستدراجا في الدّنيا ، بقوله :
فَلا تُعْجِبْكَ
ولا يحسن في نظرك
أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ
التي يظنّون انتفاعهم بهما ، فإنّه ليس الأمر كما يظنّون ، بل
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ
أن يملي لهم فيهما
لِيُعَذِّبَهُمْ
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 16 : 88 .
( 2 ) . تفسير روح البيان 3 : 448 .
( 3 ) . الكافي 2 : 335 / 3 ، تفسير الصافي 2 : 349 .