تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
ثمّ أنّه تعالى - بعد بيان علّتين لغلبة المشركين : من امتحان من يظهر الإيمان ، وتمييز الثّابتين عليه من غيرهم ، وإكرام جماعة من المؤمنين بالشّهادة - ذكر العلّة الثالثة بقوله :
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
ويطهّرهم من دنس الذّنوب ، بسبب ما أصابهم من المحن والجراحات ، فإنّ الشّدائد الدّنيويّة أدب لهم ، وكفّارة لزلّاتهم . ثمّ أشار سبحانه إلى العلّة الرابعة بقوله :
وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ
الّذين حاربوا رسوله صلّى اللّه عليه وآله ويهلكم قليلا قليلا ، بسبب شدّة استحقاقهم لعذابه إن لم يسلموا ، ولم يتوبوا من ظلمهم على النبيّ والمؤمنين ، وأصرّوا على كفرهم وشقاقهم . قيل : إنّ اللّه محقهم جميعا ، فظهر من الآية : أنّ الدّولة إذا كانت على المؤمنين ، كان هلاكهم تطهيرا لذنوبهم ، ورفعا لدرجاتهم عند اللّه .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 142 ]

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 ) ثمّ لمّا كان الامتحان هو الغاية القصوى من المداولة ، أكّده سبحانه وقرّره بقوله ، مخاطبا للمنهزمين من المؤمنين يوم أحد :
أَمْ حَسِبْتُمْ
قيل : إنّ التّقدير : أعلمتم أنّكم لا تنالون خيرا إلّا بثباتكم في الإيمان ، وصبركم على جهاد أعداء اللّه ؟ أم توهّمتم
أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
وتنالوا أعلى درجات الخيرات ،
وَ
الحال أنّه
لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ
ولم يميّز
الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ
- في سبيل اللّه ، بخلوص النّيّة ، والإيمان الرّاسخ - من غيرهم الّذين انهزموا لحبّ الدّنيا وضعف الإيمان ،
وَ
أن
يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
في طاعة اللّه ، ومشاقّ التّكاليف ، ويميّزهم ممّن يتّبع هواه ، ويستريح إلى لذّاته وشهواته . وحاصل المراد ، واللّه العالم : أتتوقّعون أيّها المؤمنين أن تدخلوا الجنّة ، وتفوزوا بنعيمها ، وتصلوا إلى كرامة اللّه وقربة ، والحال أنّه لم يتحقّق منكم الجهاد في سبيل اللّه ، والصّبر على الشّدائد في مرضاته . فإنّه لا يكون ذلك في حكمة اللّه أبدا ، لاستحالة اجتماع خبث الذّات ، وظلمة القلب - المستتبعين لحبّ الدّنيا ولذّاتها - مع السّعادة الاخرويّة ، والكرامات الأبديّة ، والنّعم الدّائمة ، لغاية التّباين والتّضادّ بينهما .