تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
وحاصل المعنى : إن نالوا منكم يوم أحد ، فقد نلتم منهم قبله يوم بدر مثل ما نالوا ، ثمّ لم تضعف قلوبهم ، مع أنّكم أولى بأن لا تضعفوا ؛ لأنّكم ترجون من اللّه ما لا يرجون . وقيل : إنّ المراد : إن نال المشركون في أحد منكم آخر النّهار ، فقد نلتم منهم أوّل النّهار ، فقتل من المشركين في أحد أوّلا نيف وعشرون رجلا ، وقتل صاحب لوائهم طلحة بن أبي طلحة ، وعقرت عامّة خيولهم بالنّبل ، وكانت الهزيمة عليهم أوّل النّهار .
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ
والوقائع الجارية في الأمم الماضية والأقوام الآتية من الصّولة والجولة والقاهريّة والمقهوريّة أمور
نُداوِلُها
ونصرّفها
بَيْنَ النَّاسِ
من الأوّلين والآخرين ، ونجعل الغلبة تارة لطائفة ، وأخرى لأخرى . فإنّه لو كانت المحنة والشدّة على الكفّار في جميع الأوقات ، والغلبة والفتح والسّلامة للمؤمنين في جميع الأوقات ، لحصل العلم الضّروري والاضطراري لجميع النّاس بأنّ الإيمان حقّ ، وما سواه باطل ، ولو كان كذلك لبطل التّكليف والثّواب والعقاب . فلهذا يسلّط اللّه المحنة على أهل الإيمان تارة ، وعلى أهل الكفر أخرى ، لتكون الشّبهات باقية ، والمكلّف - بالنّظر في الدّلائل ، بالاجتهاد الصّائب - يدفعها حتّى يعظم ثوابه . ثمّ بيّن سبحانه أنّ غلبة الكفّار على المؤمنين - لهذا الوجه ولغيره - من الحكم الخفيّة ، والمصالح المكنونة
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
وأخلصوا إيمانهم ، وثبتوا عليه ، ويميّزهم بين النّاس من غيرهم
وَ
لأن
يَتَّخِذَ
اللّه ويختار طائفة
مِنْكُمْ شُهَداءَ
في سبيل اللّه ، مقتولين في ترويج دينه ، وإعلاء كلمته ، وهم الّذين أكرمهم اللّه في أحد بالشّهادة ، ونالوا بهذه الكرامة درجة يغبطهم بها الأوّلون والآخرون غير البدريّين والطّفيّين . ثم أنّه تعالى - لتقرير أنّ غلبة المشركين لم تكن من التّفضّل عليهم واللّطف بهم ، بل كانت لابتلاء المؤمنين عامّة ، ولتكريم طائفة منهم خاصّة - أعلن بالغضب على المشركين بقوله :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
بل يبغضهم . وإنّما عدل سبحانه عن التّعبير ب ( المشركين ) إلى التّعبير ب ( الظالمين ) ، للإشارة إلى علّة الغضب وهو الظّلم على أنفسهم ، وعلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، ولأن يشمل العنوان جميع من عصى اللّه ، [ سواء ] كان العصيان بالشّرك ، أو الفرار من الزّحف .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 141 ]

وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ( 141 )
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 84 | الشيخ محمد النهاوندي