والحلف « 1 » .
والظّاهر أنّ المراد النّهي عن موالاة عموم الكفّار ، وإن كان مورد النّزول خاصّا .
ثمّ لمّا كان الإخبار بالضمائر والأسرار إخبارا بالمغيّبات ، الخارج عن طوق البشر ، ومتوقّفا على الوحي ، نبّه اللّه سبحانه على كون هذا الإخبار من علائم صدق النّبوّة ، بقوله :
قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ
أيّها المؤمنون
الْآياتِ
الدّالّة على صدق محمّد في دعواه
إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
وتعدّون من زمرة أهل الفهم والإدراك .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 119 ]
ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 119 )
ثمّ أنّه تعالى بعد تنبيه المؤمنين على خطئهم في اعتقاد النّصح في اليهود ، بالغ في الرّدع عن موالاتهم بقوله :
ها
أيّها المؤمنون وتنبّهوا
أَنْتُمْ أُولاءِ
المشتبهون فيهم ، حيث إنّكم
تُحِبُّونَهُمْ
بتخيّل أنّهم يحبّونكم ،
وَ
الحال أنّهم
لا يُحِبُّونَكُمْ
ولا يريدون خيركم وصلاح حالكم ،
وَ
أنتم
تُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ
المنزل من اللّه
كُلِّهِ
[ سواء ] كان هو التّوراة والإنجيل ، أو القرآن ، وتعتقدون أنّ جميعها حقّ ، وهم لتصلّبهم في دينهم لا يؤمنون بكتابكم .
قيل : فيه توبيخ شديد بأنّهم أصلب في باطلهم منكم في حقّكم .
ثمّ ذكّر اللّه تعالى من جملة الرّوادع عن مخالطتهم شدّة نفاقهم بقوله :
وَإِذا لَقُوكُمْ
وواجهوكم
قالُوا
بألسنتهم نفاقا : نحن
آمَنَّا
بنبيّكم وكتابكم كإيمانكم
وَإِذا خَلَوْا
وتفرّدوا منكم أظهروا شدّة العداوة والغيظ عليكم ، حتّى تبلغ الشدّة إلى أن
عَضُّوا عَلَيْكُمُ
واستمسكوا شديدا بالأسنان
الْأَنامِلَ
ورؤوس الأصابع
مِنَ
أجل
الْغَيْظِ
وشدّة الغضب تأسّفا وتحسّرا ، حيث لم يجدوا إلى التّشفّي سبيلا ، كما هو فعل من اشتدّ غضبه ، وعظم تحسّره على حرمانه من مطلوبه .
قيل : إنّما حصل لهم هذا الغيظ الشّديد لما رأوا من ائتلاف المؤمنين ، واجتماع كلمتهم ، وصلاح ذات بينهم « 2 » .
ثمّ أمر اللّه نبيّه بتقريعهم بقوله :
قُلْ
يا محمّد ، لهؤلاء الحاسدين الغائظين :
مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ
وأهلكوا بسبب شدّة عداوتكم وحسدكم .
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 8 : 197 .
( 2 ) . تفسير الرازي 8 : 201 ، تفسير روح البيان 2 : 85 .