تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
والنّحوسات بوقوع الكواكب في طوالعهم على أحوال مختلفة ، غلب على ظنّ أغلبهم أنّ مبدأ الحوادث هو الكواكب ، فبالغوا في تعظيمها حتّى اشتغلوا بعبادتها . ثمّ لمّا رأوا أنّها تغيب في كثير من الأوقات ، اتّخذوا لكلّ كوكب صنما من الجوهر المنسوب إليه ، فصنم الشّمس من الذّهب المزيّن بأحجار منسوبة إليها كالياقوت والألماس ، وصنم القمر من الفضة « 1 » . . . وهكذا . ولذا استدلّ إبراهيم عليه السّلام على بطلان عبادة الأصنام ببطلان ربوبيّة الكواكب بقوله :
فَلَمَّا أَفَلَ
الكواكب وغرب
قالَ لا أُحِبُّ
الأرباب
الْآفِلِينَ
الغائبين عن مربوبهم ، للقطع بعدم صلوح الزّائل المتغيّر للرّبوبيّة . ثمّ طلع القمر
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً
وطالعا
قالَ هذا
الجرم المضيء
رَبِّي
وخالقي
فَلَمَّا أَفَلَ
وغاب
قالَ
تنبيها لقومه على عدم صلوحه أيضا للرّبوبيّة بعلّة افوله وتغيّره الملازم للحدوث ، وتذكيرا لهم بعجزهم عن معرفة ربّهم إلّا بهدايته وتوفيقه :
لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي
إلى معرفته بتوفيقه ، ولم ينوّر قلبي لإدراك الحقّ
لَأَكُونَنَّ
البتّة
مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
عن طريق الحقّ ، المنحرفين عن نهج الصّواب . وفيه تعريض بضلال قومه في عبادتهم المتغيّر المقهور بإرادة غيره . عنهما عليهما السّلام :
« لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
أي ناسيا للميثاق » « 2 » . أقول : أي الميثاق على التّوحيد في عالم الذرّ . ثمّ ذهب اللّيل وطلعت الشّمس
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً
وطالعة
قالَ هذا
الجرم المشهود
رَبِّي
. ثمّ أشار إلى رجحان القول بالوهيّة الشّمس على القول بالوهيّة الكوكب والقمر بقوله :
هذا
الطّالع
أَكْبَرُ
من الكوكب والقمر جرما ، وأقوى منهما ضياء ، فهو أولى بالرّبوبيّة ، قيل : في تذكير اسم الإشارة رعاية للأدب وتنزيه للربّ عن الانوثيّة « 3 »
فَلَمَّا أَفَلَتْ
الشّمس كسائر الكواكب ، وثبّت امتناع ربوبيّتها أيضا لأجل الأفول والتّغيّر وألزم الفرق بالحجّة القاطعة
قالَ
مخاطبا لجميعهم ، صادعا بالحقّ :
يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
باللّه تعالى من الكواكب والأصنام وغيرها .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 79 ]

إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 79 )
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 13 : 36 . ( 2 ) . تفسير العياشي 2 : 103 / 1434 عن الباقر عليه السّلام ، تفسير الصافي 2 : 133 . ( 3 ) . تفسير الرازي 13 : 56 .