تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
ثمّ بعد التّبرّؤ ممّا سوى اللّه أعلن بخلوصه لعبادة موجد الكواكب وغيرها بقوله :
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ
وصرّفت قلبي ، وأخلصت عبادتي
لِلَّذِي
بقدرته الكاملة وحكمته البالغة
فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
وما فيهما من الكواكب وغيرها ، وأخرج الكلّ من كتم العدم إلى الوجود ، وفوّضت جميع أموري إليه ، حال كوني
حَنِيفاً
ومائلا عن كلّ معبود غيره ، ومعرضا عن كلّ دين غير دينه
وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
به شيئا في جهة من الجهات ، وأمر من الأمور . في ( العيون ) : عن الرضا عليه السّلام أنّه سأله المأمون فقال له : يا بن رسول اللّه ، أليس من قولك أنّ الأنبياء معصومون ؟ قال : « بلى » ، قال : فأخبرني عن قول اللّه عزّ وجلّ :
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي
« 1 » . فقال الرّضا عليه السّلام : « إن إبراهيم عليه السّلام وقع على ثلاثة أصناف : صنف يعبد الزّهرة ، وصنف يعبد القمر ، وصنف يعبد الشّمس ، وذلك حين خرج من السّرب « 2 » الذي أخفي فيه ، فلمّا جنّ عليه اللّيل رأى الزّهرة ، قال : هذا ربّي ؛ على الإنكار والاستخبار ، فلمّا أفل الكوكب قال : لا احبّ الآفلين ؛ لأنّ الأفول من صفات المحدّث لا من صفات القديم ، فلمّا رأى القمر بازغا قال : هذا ربّي ، على الإنكار والاستخبار ، فلمّا أفل قال : لئن لم يهدني ربّي لأكوننّ من القوم الضّالين ، فلمّا أصبح ورأى الشّمس بازغة قال : هذا ربّي ، هذا أكبر من الزّهرة والقمر ، على الإنكار والاستخبار ، لا على الإخبار والإقرار ، فلمّا أفلت قال للأصناف الثّلاثة من عبدة الزّهرة والقمر والشّمس : يا قوم إنّي بريء ممّا تشركون ، إنّي وجّهت وجهي للذي فطر السّماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين . وإنّما أراد إبراهيم عليه السّلام بما قال أن يبيّن لهم بطلان دينهم ، ويثبت عندهم أنّ العبادة لخالقها وخالق السّماوات والأرض » الخبر « 3 » . أقول : عليه جمع من مفسّري العامّة ، وحكي عن أكثرهم أنّه قال ذلك طلبا لمعرفة الربّ ، ورووا أنّ نمرود رأى رؤيا فعبّرها الحكماء والكهنة بأنّه يولد غلام ينازعه في ملكه ، فأمر بذبح كلّ غلام يولد ، فحبلت أمّ إبراهيم به وما أظهرت حبلها ، فلمّا جاءها الطّلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدّت الباب بحجر ، فجاء جبرئيل عليه السّلام ووضع إصبعه في فمه فمصّه فخرج منه رزقه ، وكان جبرئيل يتعهّده ، وكانت امّه تأتيه أحيانا وترضعه ، فبقي على هذه الحالة حتّى كبر وعقل وعرف أن له ربّا ، فسأل امّه وقال : من ربّي ؟ فقالت : أنا . فقال : ومن ربّك ؟ قالت : أبوك . فقال : من ربّه ؟ فقالت : ملك
هامش
( 1 ) . الأنعام : 6 / 76 . ( 2 ) . السّرب : حفير تحت الأرض لا منفذ له . ( 3 ) . عيون أخبار الرضا عليه السّلام 1 : 197 / 1 ، تفسير الصافي 2 : 133 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 506 | الشيخ محمد النهاوندي