ثمّ لمّا أنكر اليهود والنّصارى ثبوت ذكر لمحمّد صلّى اللّه عليه وآله في كتبهم ، كذّبهم اللّه تعالى بقوله :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ
من اليهود والنّصارى
يَعْرِفُونَهُ
بحليته ونعوته المذكورة في كتبهم
كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ
بحلاهم المعيّنة .
عن القمّي رحمه اللّه : نزلت في اليهود والنّصارى ، لأنّ اللّه قد أنزل عليهم في التّوراة والإنجيل والزّبور صفة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وصفة أصحابه ومهاجره « 1 » ، وهو قوله تعالى :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
إلى قوله :
ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ
« 2 » فلمّا بعثه اللّه عزّ وجلّ عرفه أهل الكتاب ، كما قال جلّ جلاله :
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ
« 3 » .
روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لمّا قدم المدينة قال عمر لعبد اللّه بن سلام : أنزل اللّه تعالى على نبيّه هذه الآية ، فكيف هذه المعرفة ؟ فقال : يا عمر ، لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني ، ولأنا أشدّ معرفة بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله منّي بابني ؛ لأنّي لا أدري ما صنع النّساء ، وأشهد أنّه حقّ من اللّه تعالى « 4 » .
ثمّ ذمّهم اللّه بغاية الخسران وعدم الإيمان بقوله :
الَّذِينَ خَسِرُوا
وغبنوا
أَنْفُسَهُمْ
بإعراضهم عن ما في كتبهم من البيّنات على أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله هو النبيّ المنعوت فيها
فَهُمْ
لأجل الخسران والطّبع على القلوب
لا يُؤْمِنُونَ
بنبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 21 ]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 21 )
ثمّ نبّه سبحانه بأنّ المفترين على اللّه بنسبة ما ليس في كتابه إليه ، أو نسبة الشّريك إليه والمكذّبين للمعجزات ، أظلم النّاس بقوله :
وَمَنْ أَظْلَمُ
على نفسه
مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
بأن قال : إنّ صفات النبيّ الموعود في الكتابين غير الصّفات التي تكون لمحمّد ، أو قال : إنّ الملائكة بنات اللّه ، وإنّ الأصنام شفعاؤنا عند اللّه
أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ
من القرآن وسائر معجزات النبيّ .
ثمّ هدّدهم بقوله :
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
ولا يفوزون بمطلوب من النّجاة من النّار ، والدّخول في الجنّة ، فكيف يحتمل الفلاح في حقّ من هو أظلم النّاس ؟
هامش
( 1 ) . في المصدر : أصحابه ومبعثه وهجرته .
( 2 ) . الفتح : 48 / 29 .
( 3 ) . تفسير القمي 1 : 33 ، تفسير الصافي 2 : 112 ، والآية من سورة البقرة : 2 / 89 .
( 4 ) . تفسير الرازي 12 : 179 .