تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
ثمّ أردف البشارة بالرّحمة بالتّهديد بالعقوبة تربية للخوف بقوله :
لَيَجْمَعَنَّكُمْ
اللّه ويبعثنّكم من القبور
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
الذي
لا رَيْبَ
لعاقل
فِيهِ
. وقيل : إنّ من شؤون رحمته بالعباد جمع النّاس في يوم القيامة ، وجعل دار الجزاء والوعيد بها ، وإلّا لحصل الهرج والمرج ، ولارتفع الضّبط وكثر الخبط « 1 » ، واختلّ النّظام . ثمّ نبّه اللّه سبحانه على أنّ ترك الإيمان بالتّوحيد مع سعة رحمته تعالى ، والوعيد بالعقاب على الشّرك غاية الخسران بقوله :
الَّذِينَ خَسِرُوا
وغبنوا
أَنْفُسَهُمْ
وأضرّوا عليها بتضييع رأس المال من الفطرة الأصليّة والعقل السّليم ، باتّباع الهوى والانهماك في الشّهوات
فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
بوحدانيّة اللّه ، بل يصرّون على الشّرك والعصيان ، ولذا يخرجون عن قابليّة شمول الرّحمة الواسعة ، ويستحقّون العذاب الدّائم .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 13 إلى 14 ]

وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 13 ) قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 14 ) ثمّ أنّه تعالى بعد ذكر كونه مالك المكان والمكانيّات من السّماوات والأرض وما فيهما ، ذكر أنّه مالك الزّمان والزّمانيّات بقوله :
وَلَهُ ما سَكَنَ
واستقرّ
فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
واشتملا عليه من الموجودات ، أو ما سكن وتحرّك فيهما . روي أنّ كفّار مكّة أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقالوا : يا محمّد ، قد علمنا أنّه ما يحملك على ما تدعونا إليه إلّا الفقر والحاجة ، فنحن نجمع لك من القبائل أموالا تكون أغنانا رجلا ، وترجع عمّا أنت عليه من الدّعوة ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية « 2 » . ثمّ أنّه تعالى بعد التّنبيه على كونه مالك جميع الموجودات ، نبّه على إحاطته بها علما بقوله :
وَهُوَ السَّمِيعُ
لكلّ المسموعات
الْعَلِيمُ
بجميع المعلومات ، فيسمع نداء المضطرّين ، ويعلم حاجات المحتاجين . ثمّ أنّه تعالى بعد بيان سعة ملكه ورحمته ، وكمال غناه وإحاطته ، أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بأن يعلن بتخصيصه بولايته ، وإعراضه عن ولاية غيره بقوله :
قُلْ
يا محمّد ، للمشركين إنكارا على نفسك :
أَ غَيْرَ اللَّهِ
من مخلوقاته
أَتَّخِذُ
وأختار لنفسي
وَلِيًّا
وكافلا ومعبودا ؟ ! حاشاي من ذلك ، مع أنّه تعالى
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 12 : 166 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 3 : 15 .