تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
لربّ العالمين وخالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسوله بشرا مثلنا ، ولو كنت نبيّا لكان معك ملك يصدّقك ونشاهده ، بل لو أراد اللّه أن يبعث إلينا نبيّا لكان يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا ، ما أنت يا محمّد إلّا [ رجلا ] مسحورا ولست بنبيّ . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : اللّهمّ أنت السّامع لكلّ صوت ، والعالم بكلّ شيء ، تعلم ما قاله عبادك ، فأنزل [ اللّه ] عليه :
وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ
إلى قوله :
ما يَلْبِسُونَ
. ثمّ قال رسول اللّه : وأمّا قولك : ولو كنت نبيّا لكان معك ملك يصدّقك ونشاهده ، بل لو أراد [ اللّه ] أن يبعث إلينا نبيّا ، لكان إنّما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا ، فالملك لم تشاهده حواسّك لأنّه من جنس هذا الهواء ، لا عيان منه ، ولو شاهدتّموه بأن يزاد في قوى أبصاركم لقلتم : ليس هذا ملكا ، بل هذا بشر ؛ لأنّه إنّما يظهر لكم بصورة البشر الذي ألفتموه ، لتفهموا عنه مقاله ، وتعرفوا خطابه ومراده ، وكيف كنتم تعلمون صدق الملك وأن ما يقوله حقّ ، بل إنّما بعث اللّه بشرا ، وأظهر على يده المعجزات التي ليست في طباع البشر الّذين قد علمتم ضمائر قلوبهم ، فتعلمون بعجزكم عمّا جاء به أنّه معجز ، وأنّ ذلك شهادة من اللّه بالصّدق له ، ولو ظهر لكم ملك وظهر على يده ما يعجز عنه البشر ، لم يكن في ذلك ما يدلّكم أن ذلك ليس في طبائع سائر أجناسه من الملائكة حتّى يصير ذلك معجزا ، ألا ترون الطّيور التي تطير ، ليس ذلك منها بمعجز ؛ لأنّ لها أجناسا يقع منها مثل طيرانها ، ولو أنّ آدميّا طار كطيرانها كان ذلك معجزا ، فاللّه عزّ وجلّ سهّل عليكم الأمر وجعله مثلكم بحيث تقوم عليكم حجّته ، وأنتم تقترحون عمل الصّعب الذي لا حجّة فيه » « 1 » الحديث .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 10 ]

وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 10 ) ثمّ لمّا حكى اللّه تعالى إعراض المشركين عن المعجزات ، واستهزاءهم بها ، وإصرارهم على الكفّر ، وعدم تأثّر قلوبهم بالنّصح ، وكانت كلّها سببا لحزن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، سلّى قلب حبيبه بقوله :
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ
كثيرة
مِنْ قَبْلِكَ
وفي الأزمنة السّابقة على بعثتك ، وهم صبروا على استهزائهم
فَحاقَ
وأحاط ، أو حلّ
بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ
عقيب استهزائهم وسخريتهم
ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
من الدّين ، أو العذاب الذي كان النبيّ يخبرهم به وهم يستهزءون به . وفيه وعد النبيّ بإهلاك المستهزئين به ، فأنجز اللّه وعده يوم بدر .
هامش
( 1 ) . الاحتجاج : 29 ، تفسير الصافي 2 : 109 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 466 | الشيخ محمد النهاوندي