[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 11 ]
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 11 )
ثمّ لمّا ذكر اللّه في تسلية النبيّ صلّى اللّه عليه وآله استهزاء قومه به ، أمره بتهديدهم وإنذارهم بقوله :
قُلْ
يا محمّد ، للمشركين المكذّبين بك :
سِيرُوا
وسافروا
فِي
أقطار
الْأَرْضِ
لتعرفوا أحوال الأمم الماضية
ثُمَّ انْظُرُوا
بأبصاركم ، وتفكّروا بقلوبكم في أنّه
كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
بالرّسل وإلى ما صار مآل إعراضهم عن الآيات الإلهيّة ، فاعتبروا ممّا نزل بهم من عذاب الاستئصال ، ولا تغترّوا بما أنتم فيه من الصحّة والقوّة والنّشاط والسّعة .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 12 ]
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 12 )
ثمّ أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بعد تهديد المشركين ونصحهم بإلزامهم بالتّوحيد بقوله :
قُلْ
يا محمّد ، للمشركين واسألهم عن أنّه :
لِمَنْ
يكون
ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
من الموجودات خلقا وملكا وتصرّفا ؟
فلمّا كان الجواب من أبده البديهيّات عند العقلاء بحيث لا ينبغي الخلاف فيه ، أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بالمبادرة إليه بقوله :
قُلْ
كلّها
لِلَّهِ
وحده لا شريك له ، إيماء إلى أنّ هذا السّؤال ليس من حقّه الانتظار في الجواب ، بل حقّه أن يبادر إلى جوابه بالاعتراف بأنّ الكلّ للّه ؛ لظهور آثار الحدوث والإمكان في الأجسام ، واحتياج الحادث إلى الصّانع الواجب من أبده البديهيّات .
ثمّ بشّر برحمته على عباده مع كمال عظمته وقدرته تربية للرّجاء في القلوب بقوله :
كَتَبَ
وحتم
عَلى نَفْسِهِ
وذاته المقدّسة
الرَّحْمَةَ
والعطوفة على العباد ، ولذا لا يعجل على من أشرك به وعصاه بالعقوبة ، ويقبل منهم التّوبة .
وقيل : إنّ المراد بالرّحمة : الهداية إلى معرفته بنصب الدّلائل على توحيده « 1 » وكمال صفاته .
عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « لمّا فرغ اللّه من الخلق كتب كتابا : إنّ رحمتي سبقت غضبي » « 2 » .
أقول : الظّاهر من سبق الرّحمة هو الغلبة والكثرة ، لا السّبق الزّماني .
وعن سلمان الفارسي رضى اللّه عنه : أنّه تعالى لمّا خلق السّماء والأرض خلق مائة رحمة ، كلّ رحمة ملء ما بين السّماء والأرض ، فعنده تسع وتسعون رحمة وواحدة بين الخلائق فيها يتعاطفون ويتراحمون ، فإذا كان آخر الأمر قصرها على المتّقين « 3 » .
هامش
( 1 ) . جوامع الجامع : 123 .
( 2 ) . تفسير الرازي 12 : 165 .
( 3 ) . تفسير الرازي 12 : 165 .