في تفسير سورة الأنعام
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 1 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( 1 )
في بيان وجه نظم سورة الأنعام
ثمّ لمّا تمّت السّور التي كان أهمّ المقاصد فيهنّ محاجّة اليهود والنّصارى الّذين هم أعلم الملل الباطلة ، وإبطال شبهاتهم وعقائدهم الفاسدة ، وبيان ما ينتظم به أمور المعاد والمعاش ، من أحكام العبادات والسّياسات ، وحقوق النّاس ، والمحلّلات والمحرّمات من الأطعمة والأشربة والمناكح ، والمنّة على المسلمين بتكميل الدّين وإتمام النّعمة بنصب الحجّة على العالمين ، ثمّ ختم المائدة ببيان كمال قدرته وعظمة سلطنته ، انتظمت سورة الأنعام المبتدأ فيها بالحمد على نعمائه ، وتأكيد ما في آخر السّورة السّابقة بإعادة بيان كمال قدرته ، وشرح ملكيّته بالملكيّة الإشراقية الإيجاديّة المشتملة على محاجّة المشركين الّذين هم أجهل الملل ، وإبطال بدعهم ، وبيان بعض أحكام الأطعمة ، وغير ذلك من الوجوه الموجبة لحسن النّظم .
فابتدأ فيها بقوله : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، وقد مرّ تفسيره ، ثمّ بحمد ذاته المقدّسة بقوله :
الْحَمْدُ
بجميع أنواعه وأفراده ، والثّناء الجميل بأيّ نحو وجد ملك
لِلَّهِ
ومختصّ بالواجب المستجمع لجميع الكمالات لا يشركه فيه غيره حمد أم لم يحمد .
ثمّ عرّف ذاته المقدّسة بكمال القدرة وسعة الإنعام تقريرا لاختصاصه به وحثّا عليه بقوله :
الَّذِي خَلَقَ
وسوّى بقدرته وحكمته
السَّماواتِ
وما فيها من الكواكب والملائكة
وَالْأَرْضَ
وما عليها وفيها من الحيوانات والنّباتات وغيرها .
وتخصيصهما بالذّكر لكونهما أعظم المخلوقات الجسمانيّة في الأنظار . وقد مرّ وجه جمع السّماوات وإفراد الأرض مع كونها مثلهنّ . وإنّما قدّم ذكر السّماوات مع تأخّرهنّ في الوجود من الأرض ، لكونهنّ أعظم وأشرف في الأنظار ، ولنزول البركات منهنّ ، وكونهنّ بمنزلة الآباء للمواليد ،