تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
فَإِنْ تَوَلَّوْا
وأعرضوا عن حكمك بما نزل
فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ
تعالى بخذلانهم وتولّيهم عن حكمك
أَنْ يُصِيبَهُمْ
ويعاقبهم في الدّنيا
بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ
الكثيرة ، وقليل من معاصيهم التي لا تحصى ؛ من تسليطك عليهم وتعذيبهم بالقتل والإجلاء ، والذلّة والمسكنة ، وضرب الجزية ، ويعاقبهم على بقيّتها في الآخرة . ثمّ سلّى سبحانه قلب حبيبه صلّى اللّه عليه وآله بقوله :
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ
وقليل منهم مؤمنون شاكرون ، فلا يعظم عليك تولّيهم عن حكمهم .

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 50 ]

أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 50 ) ثمّ أنكر سبحانه عليهم التّولّي عن الحقّ ، ووبّخهم عليه بقوله :
أَ
يتولّون
فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ
وملّتها التي هي محض الهوى والجهالة
يَبْغُونَ
ويطلبون ؛ مع أنّهم أهل الكتاب والعلم . ثمّ أنكر كون حكم أحسن وأصلح من حكمه بقوله :
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ
وأعدل
حُكْماً
ثمّ نبّه على أنّ هذا الخطاب والاستفهام الإنكاري أو التعجبي « 1 » يكون
لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
بحكمة اللّه وعدله ؛ لأنّهم العارفون بأن لا أحد أعدل من اللّه ، ولا حكم أحسن من حكمه ، لا اليهود الّذين هم أهل الشّكّ والرّيب والعناد . روي أنّه كان بين النّضير وقريظة دم قبل أن يبعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وآله ، فلمّا بعث تحاكموا إليه فقالت قريظة : بنو النّضير إخواننا ، أبونا واحد ، وديننا واحد ، وكتابنا واحد ، فإن قتل بنو النّضير منّا قتيلا أعطونا سبعين وسقا « 2 » من تمر ، وإن قتلنا منهم واحدا أخذوا منّا مائة وأربعين وسقا من تمر ، واروش جناياتنا « 3 » على النّصف من اروش جناياتهم « 4 » ، فاقض بيننا وبينهم ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « فإنّي أحكم أن دم القرظيّ وفاء من دم النّضيري ، ودم النّضيري وفاء من دم القرظيّ ، ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم ، ولا عقل « 5 » ، ولا جراحة » . فغضب بنو النّضير وقالوا : لا نرضى بحكمك فإنّك عدوّ لنا ، فأنزل اللّه هذه الآية
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ
يعني : حكمهم الأوّل « 6 » . وقيل : إنّهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إيّاه ، وإذا وجب على أقويائهم لم
هامش
( 1 ) . في النسخة : التعجيبي . ( 2 ) . الوسق : مكيال ، وهو ستون صاعا ، والصاع خمسة أرطال وثلث . ( 3 ) . في تفسير الرازي : جراحاتنا ، والأروش جمع أرش : دية الجراحة . ( 4 ) . في تفسير الرازي : جراحاتهم . ( 5 ) . العقل : الدّية . ( 6 ) . تفسير الرازي 12 : 15 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 384 | الشيخ محمد النهاوندي