ثمّ بعد بيان فضائل الكتابين ، شرع سبحانه في ذكر فضائل القرآن بقوله :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ
يا محمّد
الْكِتابَ
السّماوي ؛ وهو القرآن العظيم ، حال كونه ملابسا
بِالْحَقِّ
ومقرونا بشواهد الصّدق و
مُصَدِّقاً
وموافقا
لِما بَيْنَ يَدَيْهِ
وما أنزل قبله
مِنَ
جنس
الْكِتابَ
السّماوي
وَمُهَيْمِناً
وشاهدا
عَلَيْهِ
دالا على صدقه ، أو حافظا له ، لكون القرآن معجزة باقية دون سائر الكتب ، ومصونا من التّغيير والتّحريف أبد الدّهر ، وليس على صدق سائر الكتب ، دليل لعدم اشتمال واحد منها على الإعجاز ، وانقطاع تواترها ، ولولا القرآن وصراحته بصدقها ، لا طريق لأحد إلى تصديقها ، فما دام بقاء القرآن تبقى الحجّة على صدق سائر الكتب .
ثمّ لمّا ذكر فضائل القرآن ، أمر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بالعمل به ، وإجراء ما فيه من الأحكام بقوله :
فَاحْكُمْ
يا محمّد
بَيْنَهُمْ
وعند مشاجراتهم
بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
إليك فيه من الأحكام
وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ
ولا تراع مشتهيات أنفسهم ، ولا تعدل ؛ خوفا من ضررهم وطمعا في إيمانهم
عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ
وما تبيّن لك من الحكم ، إلى غيره .
ففيه سدّ باب احتمال تغيير حكم اللّه على النبيّ وسائر النّاس لمصلحة دفع الضّرر عن النّفس أو عن الإسلام ، أو ملاحظة أنّ تغيير الحكم أدخل في الهداية إلى الحقّ . فظهر ممّا ذكرنا أنّه لا يجوز التمسّك بهذه الآية في الطّعن بعصمة الأنبياء بعد دلالة الأدلّة القاطعة على عصمتهم .
وقيل : إنّ الخطاب للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، والمقصود به غيره « 1 » ، من باب إيّاك أعني واسمعي يا جارة .
روي أنّ جماعة من اليهود قالوا : تعالوا نذهب إلى محمّد لعلّنا نفتنه عن دينه ، ثمّ دخلوا عليه وقالوا :
يا محمّد ، قد عرفت أنّا أحبار اليهود وأشرافهم ، وأنّا إن اتّبعناك اتبعك كلّ اليهود ، وأنّ بيننا وبين خصومنا حكومة ؛ فنحاكمهم إليك ، فاقض لنا ونحن نؤمن بك ، فأنزل اللّه هذه الآية « 2 » .
ثمّ لمّا ذكر اللّه كتب الفرق الثّلاث وأحكامهم ، نبّه على أنّ كلّ دين كان حقّا قبل نسخه ؛ بقوله :
و
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ
أيّتها « 3 » الفرق
شِرْعَةً
ودينا كان العمل به سببا لحياتكم ؛ كشريعة الماء
وَمِنْهاجاً
وطريقا واضحا إلى الحقّ .
ثمّ بيّن حكمة اختلاف الأديان في القرون [ الماضية ] بقوله :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ
واقتضت حكمته
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 12 : 12 .
( 2 ) . تفسير الرازي 12 : 11 ، تفسير أبي السعود 3 : 47 .
( 3 ) . في النسخة : أيها .