تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
الحكم بينهما بمذهب الإسلام ، لعمومات وجوب الحكم والقضاء بالحقّ ، وبما أنزل اللّه ، ولم يثبت التّخصيص إلّا فيما [ إذا ] كانا من أهل ملّة واحدة ، ويؤيّده أنّ [ في ] الرّدّ إلى إحدى الملّتين إثارة الفتنة . وقيل : إنّ التّخيير منسوخ بقوله :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
« 1 » ؛ وهو مرويّ عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه « 2 » ، قال : ما نسخ من المائدة غير هذه الآية ، وغير قوله تعالى :
لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ
« 3 » ، نسخها قوله :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
« 4 » .

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 43 ]

وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ( 43 ) ثمّ وبّخ اللّه سبحانه اليهود على إعراضهم عن التّوراة التي يعتقدون أنّهم مؤمنون بها ، وتحكيمهم من لا يؤمن به ، باستفهام فيه تعجيب للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله بقوله :
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ
ويرضون هؤلاء اليهود بقضائك بينهم ،
وَ
الحال أنّ
عِنْدَهُمُ
وفي منظرهم
التَّوْراةُ
التي تغنيهم عن حكمك ، إذ
فِيها حُكْمُ اللَّهِ
صريحا في موضوع تشاجرهم في أمر القصاص والدّية
ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ
ويعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم
مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
التحكيم والرّضا بقضائك
وَما أُولئِكَ
المتحاكمون إليك
بِالْمُؤْمِنِينَ
بشيء من التّوراة ولا بحكمك لإعراضهم عنها وعنه ، بل غرضهم اتّباع الهوى ، وتحصيل مصالح الدّنيا .

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 44 ]

إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ( 44 ) ثمّ بالغ سبحانه في ذمّهم وتقريعهم على إعراضهم عن التّوراة ببيان عظم شأنها بقوله :
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ
إلى بني إسرائيل ، والحال أنّ ما
فِيها هُدىً
من الضّلال ، ورشاد إلى الحقّ ، وبيان لكلّ حكم ،
وَ
فيها
نُورٌ
ترتفع به ظلمة الجهل ، وتزول به كدورة الشكّ ، وقد كانت من أوّل نزولها
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا
وانقادوا للّه ولأحكامه
لِلَّذِينَ هادُوا
واتّبعوا شريعة موسى
هامش
( 1 ) . المائدة : 5 / 49 . ( 2 ) . تفسير الرازي 11 : 235 ، تفسير أبي السعود 3 : 39 . ( 3 ) . المائدة : 5 / 2 . ( 4 ) . تفسير أبي السعود 3 : 39 ، والآية من سورة التوبة : 9 / 5 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 378 | الشيخ محمد النهاوندي