تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
ثمّ أنّه تعالى بعد دفع شبهات اليهود في نبوّة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وكتابه ، وإنذارهم ودعوتهم إلى الإيمان ، صرف الخطاب إلى النّصارى بقوله :
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا
ولا تتجاوزوا عن حدود العقل
فِي دِينِكُمْ
بالإفراط في شأن عيسى عليه السّلام ، وادّعاء الوهيّته ، أو بنوّته للّه
وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ
قولا
إِلَّا الْحَقَّ
والصّواب ، من تنزيهه عن الشّرك والصّاحبة والولد ، ولا تصفوه بالحلول في المسيح أو الاتّحاد معه المستحيلين على الواجب ، ولا باتّخاذه المسيح ولدا لعدم الحاجة له ، وعدم السّنخيّة بينه تعالى وبين الحادث مع لزوم السّنخيّة بين الوالد والولد . ثمّ بعد نهيهم عن الغلوّ ، أرشدهم إلى القول الوسط والحقّ بقوله :
إِنَّمَا الْمَسِيحُ
الذي اسمه
عِيسَى
ونسبه أنّه
ابْنُ مَرْيَمَ
بنت عمران هو
رَسُولُ اللَّهِ
إليكم لتكميل نفوسكم ، وتبليغ شرائعكم
وَكَلِمَتُهُ
التّامّة وآيته العظمى التي
أَلْقاها
من عالم القدس والأمر ، وأوصلها
إِلى
رحم
مَرْيَمَ
الصّدّيقة . ولمّا كان مبدأ وجوده نفخة الرّوح الأمين ، وصفه بالرّوحانيّة ، ونسبه إلى نفسه تشريفا له بقوله :
وَرُوحٌ مِنْهُ
. عن الصادق عليه السّلام أنّه سئل عنها ، فقال : « هي روح مخلوقة خلقها اللّه في آدم وعيسى » « 1 » وعن الباقر عليه السّلام : « روحان مخلوقان اختارهما واصطفاهما : روح آدم ، وروح عيسى » « 2 » . ثمّ أنّه تعالى بعد إثبات عبودية عيسى ورسالته وتعظيمه بأنّه كلمته وروحه ، أمر النّصارى بالإيمان بتوحيد اللّه ورسالة المسيح كسائر الرّسل بقوله :
فَآمِنُوا بِاللَّهِ
وحده لا شريك له
وَرُسُلِهِ
الّذين هم مبلّغون عنه ، ومنهم عيسى عليه السّلام
وَلا تَقُولُوا
إنّ اللّه واحد بالجوهر
ثَلاثَةٌ
بالأقانيم ، على ما قيل « 3 » .
انْتَهُوا
أيّها النّصارى وارتدعوا عن هذا القول الباطل ، فإنّ الانتهاء عن التّثليث يكون
خَيْراً لَكُمْ
من القول بالتّثليث لأنّه كفر
إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ
بالذّات والصّفات ، منزّه عن التّعدّد والكثرة . ثمّ نزّهه عن اتّخاذ الولد بقوله :
سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ
كما ادّعاه النّصارى ؛ لأنّ الولد لا يمكن أن يكون ملكا لوالده ، والحال أنّ اللّه
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
خلقا وملكا وتصرّفا ، لا يخرج من ملكوته عيسى عليه السّلام وغيره من الموجودات ، ولا يحتاج إلى ولد ومعين ، إذ بذاته وقدرته يدبّر كلّ شيء
وَكَفى بِاللَّهِ
وحده
وَكِيلًا
ومدبّرا لأمور الكائنات ، فمن يكون له الغنى والقدرة غير المتناهيين ، يمتنع أن يتّخذ لنفسه صاحبة وولدا .
هامش
( 1 ) . الكافي 1 : 103 / 2 ، تفسير الصافي 1 : 484 . ( 2 ) . التوحيد : 172 / 4 ، تفسير الصافي 1 : 484 . ( 3 ) . تفسير الرازي 11 : 116 ، تفسير روح البيان 2 : 330 .