[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 194 ]
رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 194 )
ثمّ بعد طلب الأمن من العقوبة ، وسؤال أهم النّعم ، يعمّون السّؤال ، ويستدعون جميع المثوبات الموعودة للمؤمنين ، بقولهم :
رَبَّنا وَآتِنا
برحمتك ، وأعطنا بجودك وكرمك
ما وَعَدْتَنا
من الثّواب والأجر الدّنيوي والأخروي
عَلى
تصديق
رُسُلِكَ
. وقيل : إنّ المراد : ما وعدتنا بالوعد الكائن على ألسنة رسلك ، ووسائط تبليغ وحيك .
وفي تكرير النّداء بقولهم :
رَبَّنا
إظهار المبالغة في الضّراعة .
عن الصادق عليه السّلام : « من حزبه « 1 » أمر فقال : ربّنا ؛ خمس مرّات ، أنجاه اللّه ممّا يخاف ، وأعطاه ما أراد » « 2 » .
وفي ذكر جميع الرّسل - مع كون المراد من المنادي للإيمان خصوص خاتم النّبيّين صلّى اللّه عليه وآله - إشعار باتّفاقهم في الوعد ، وتأكّده بكثرة الشّهود ، وإظهار كمال الثّقة بإنجازه .
ثمّ أنّه تعالى - بعدما حكى عن المؤمنين تقديم سؤال المغفرة والأمن من العقوبة على سؤال الجنّة وسائر النّعم والمثوبات ، إظهارا لأهميّته وكونه أصلا ، وغيره فرعا وتبعا - حكى عنهم ختم دعواتهم به تثبيتا لذلك ، بقوله :
وَلا تُخْزِنا
ولا تهنّا بين النّاس
يَوْمَ الْقِيامَةِ
بالعذاب الدّائم .
وقيل : إنّ السّؤال الأوّل - وهو الوقاية من النّار - طلب الأمن من العذاب الجسماني ، والسّؤال الآخر من قولهم :
وَلا تُخْزِنا ،
طلب السّلامة من الخزي والهوان ؛ وهو العذاب الرّوحاني ، حيث يظهر يوم القيامة لبعض العباد أنّ اعتقاده كان ضلالا ، وعمله كان ذنبا ؛ كما قال تعالى :
وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا
« 3 » ، فعند ذلك يحصل لهم خجلة عظيمة ، وحسرة كاملة ، وأسف شديد ، وذلك هو العذاب الرّوحاني ، وهو أشدّ من العذاب الجسماني .
وقيل : إنّ المراد : لا تهنّا حين إعطاء الثّواب ، بل عظّمنا وأكرمنا . فإنّه يمكن أن يكون إعطاء الثّواب مقرونا بالتّوهين .
ثمّ حكى اللّه سبحانه عن المؤمنين إظهار اليقين بامتناع صدور خلف الوعد منه تعالى ، بقوله :
إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ
لإظهار أنّ سؤال الوفاء بالوعد ليس لخوف صدور خلف الوعد منه تعالى ، بل لإظهار الاستكانة ، أو احتمال التّقصير من قبلهم ، والخوف من أنّهم لا يكونون من جملة الموعودين ، لسوء العاقبة ، أو القصور في الامتثال ، فمرجعها إلى الدّعاء بالتّثبّت على الإيمان والطّاعة .
هامش
( 1 ) . حزبه الأمر : اشتدّ عليه .
( 2 ) . تفسير الرازي 9 : 151 ، تفسير أبي السعود 2 : 133 .
( 3 ) . الزمر : 39 / 48 .