روي أنّه هي الكلمة التي قالها إبراهيم عليه السّلام حين ألقي في النّار « 1 » .
فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في أصحابه ووافى بدر الصّغرى ، وهو ماء لبني كنانة ، وكان موضع سوق للعرب في الجاهليّة يجتمعون إليه في كلّ عام ثمانية أيّام ، فأقام صلّى اللّه عليه وآله ببدر ينتظر أبا سفيان ، وقد أنصرف أبو سفيان من مجنّة إلى مكّة فسمّاهم أهل مكّة جيش السّويق « 2 » ؛ ويقولون : إنّما خرجتم تشربون السّويق .
ولم يلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأصحابه أحدا من المشركين ببدر ، ووافق السّوق ، وكانت لهم تجارات ، فباعوا وأصابوا بالدّرهم درهمين
فَانْقَلَبُوا
ورجعوا من بدر الصّغرى إلى المدينة مصاحبين
بِنِعْمَةٍ
عظيمة كائنة
مِنَ اللَّهِ
من العافية والسّلامة والزّيادة في الإيمان واليقين
وَفَضْلٍ
وزيادة كثيرة في المال ، بسبب الرّبح في التّجارة ، مضافا إلى أنّه
لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ
ولم يصبهم مكروه أصلا ولو أقلّ قليل
وَاتَّبَعُوا
في سفرهم ذلك ، وطاعتهم الرّسول في الأفعال والأقوال
رِضْوانَ اللَّهِ
الذي هو مناط الفوز بخير الدّنيا والآخرة
وَاللَّهُ
بحبّه للمؤمنين
ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
عليهم من توفيقهم للثّبات على الإيمان ، والتّوطين على لقاء الأعداء ، والجهاد في سبيل اللّه ، والتّصلّب في الدّين ، وحفظهم من كلّ سوء في الدّنيا ، وذو عطاء جسيم عليهم بالجنّة والنّعمة الدّائمة ، وحفظهم من كلّ مكروه في الآخرة .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 175 ]
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 175 )
ثمّ ذمّ اللّه سبحانه الّذين خوّفوا المسلمين ، وقرّع المثبّطين « 3 » الذين تخلّفوا وعصوا الرّسول صلّى اللّه عليه وآله جبنا ، بقوله :
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ
المضلّ المغوي بوسوسته وشيطنته ، وإلقاءاته على لسان الرّكب ، أو نعيم بن مسعود
يُخَوِّفُ
من سطوة المشركين
أَوْلِياءَهُ
ومطيعيه من المنافقين وضعفاء المؤمنين .
وقيل : إنّ المراد : الشّيطان يخوّفكم أيّها المؤمنون من أوليائه المشركين ، كأبي سفيان وأصحابه ، لتقعدوا عن قتالهم .
فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ
في مخالفة أوامري ، وأوامر رسولي
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
بي وبرسالة
هامش
( 1 ) . مجمع البيان 2 : 889 ، تفسير أبي السعود 2 : 114 .
( 2 ) . طعام يتّخذ من مدقوق الحنطة والشعير ، سمّي بذلك لانسياقه في الحلق .
( 3 ) . في النسخة : المتثبّطين