ثمّ أنّه روي أنّ معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم ، وهم كانا من الأنصار ، قالا : يا رسول اللّه ، ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ، ثمّ يزيد حتّى يمتلئ ويستوي ، ثمّ لا يزال ينقص حتّى يعودكما بدأ ؟ لم لا يكون على حالة واحدة كالشمس ؟ [ فنزلت هذه الآية ] « 1 » .
ولمّا جرى ذكر شهر رمضان لتعيين وقت الصّوم ، ذكر اللّه هذا السؤال وجوابه هنا بقوله :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ
حكمة اختلاف حال
الْأَهِلَّةِ
بزيادة نورها ونقصانه .
قيل : وجه إطلاق الهلال على أوّل ما يبدو من نور القمر إلى ثلاث ليال أنّ العرب كانوا يرفعون أصواتهم بالذّكر عند رؤيته « 2 » .
وروي عن معاذ : أنّ اليهود سألت عن الأهلّة « 3 » ، فأجابهم اللّه بقوله :
قُلْ
لهم يا محمّد أنّ الأهلّة
هِيَ مَواقِيتُ
ومعالم جعلت
لِلنَّاسِ
يوقّتون بها تجاراتهم وديونهم وعدّة نسائهم ، وعباداتهم من صومهم وفطرهم وصلوات جمعهم وأعيادهم ، وسائر ما يحتاجون إلى التوقيت من أمور معاشهم ومعادهم .
ثمّ لكثرة الاهتمام بالحجّ خصّه بالذكر بقوله :
وَالْحَجِّ
يعرف بها وقته ، حيث إنّه مختصّ بالأشهر المعيّنة ، ولا يجوز نقله إلى غيرها كما كانت العرب تفعل ذلك في النّسيئ .
ثمّ لمّا جرى ذكر الحجّ في المقام ، ذكر اللّه تعالى بدعة من بدع المشركين في حال الإحرام استطرادا .
روي عن الباقر عليه السّلام : « أنّهم إذا أحرموا كانوا لم يدخلوا دارا ولا فسطاطا من بابه ، ولكنّهم كانوا ينقبون في ظهور بيوتهم نقبا يدخلون ويخرجون منه ، ويسمّونه برّا ، فنهاهم اللّه عن التديّن به » « 4 » بقوله :
وَلَيْسَ الْبِرُّ
ولا القربة إلى اللّه
بِأَنْ تَأْتُوا
وتدخلوا
الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها
وخلفها
وَلكِنَّ الْبِرَّ
ما يقرّب إلى جميع الخيرات الدنيويّة والأخرويّة برّ
مَنِ اتَّقى
ما حرّم اللّه . كذا روي عن الصادق عليه السّلام « 5 » .
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 5 : 120 ، تفسير روح البيان 1 : 303 .
( 2 ) . تفسير روح البيان 1 : 303 .
( 3 ) . تفسير الرازي 5 : 120 .
( 4 ) . مجمع البيان 2 : 508 ، تفسير الصافي 1 : 208 .
( 5 ) . تفسير الصافي 1 : 208 .