تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
قال : فلمّا انتهى موسى عليه السّلام إلى قومه ورآهم يعبدون العجل ، ألقى الألواح من يده فكسّرت » . قال أبو جعفر عليه السّلام : « كان ينبغي أن يكون ذلك عند إخبار اللّه تعالى إيّاه . قال : فعمد موسى عليه السّلام فيرد العجل من أنفه إلى طرف ذنبه ، ثمّ أحرقه بالنّار فذرّه في اليمّ . قال : فكان أحدهم ليقع في الماء وما به [ إليه ] من حاجة ، فيتعرّض بذلك للرماد « 1 » ويشربه ، وهو قول اللّه تعالى :
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ »
« 2 » . أقول : ظاهر الرّواية أنّ حبّهم للعجل صار سببا لشربهم من الماء ، ويمكن كون حبّ العجل سببا للشّرب ، ثمّ صار الشّرب سببا لرسوخ حبّه وثباته في قلوبهم . ثمّ لمّا كان ارتكابهم هذه القبائح مبطلا لادّعائهم الإيمان بالتّوراة وبموسى وشريعته ؛ أمر اللّه نبيّه بتقريعهم ، بقوله :
قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ
وساء ما يبعثكم إليه
إِيمانُكُمْ
بالتّوراة من فعل هذه القبائح ، ومن الكفر باللّه واليوم الآخر وبرسالتي
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
بها .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 94 إلى 95 ]

قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 94 ) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 95 ) ثمّ لمّا كان من عقائدهم السّخيفة ودعاويهم الباطلة أنّ الجنّة ونعيمها في الآخرة خالصة لهم ومختصّة بهم لادعائهم أنّهم أولياء اللّه المخلصون وعباده الصّالحون ، ولذا قالوا :
لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً
« 3 » فردّ اللّه عليهم بقوله :
قُلْ
لهم يا محمّد :
إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ
من جنّتها ونعيمها
عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً
ومختصة
مِنْ دُونِ
سائر
النَّاسِ
قيل : المراد من النّاس محمّد صلّى اللّه عليه وآله وأهل بيته وأصحابه « 4 » .
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ
الذي به تصلون إليها لقلّة نعم الدنيا بالنّسبة إلى نعم الآخرة ، مع كون نعم الدنيا منغّصة مشوبة بالآلام والمكاره بخلاف نعم الآخرة ، فكلّ من أيقن بفلاحه ونجاحه ، لا بدّ له من أن يشتاق إلى الموت ويتمنّاه ، كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « واللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطّفل
هامش
( 1 ) . في النسخة : بذلك إليها . ( 2 ) . تفسير العياشي 1 : 144 / 178 . ( 3 ) . البقرة : 2 / 111 . ( 4 ) . تفسير الصافي 1 : 148 .