تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
بالنّهي عن قرب الشجرة ، وأخبرهما بأنّ الشّيطان لهما عدوّ مبين ، فإذن كان عليهم التثبّت وانتظار الإذن الصّريح من اللّه تعالى ، ولم يكن لهما الاعتماد بقول الحيّة والأمارات الظّنّيّة ، فلمّا اعتمدا بقول من لا حجّة في قوله ، وعملا بالظّنّ النّاشئ عن الطّمع والهوى كان ذلك خلاف العزم والحزم ، ولذا قال تعالى في حقّ آدم :
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
« 1 » فقول الفخر الرازي : إنّ هذه الرواية ممّا لا يلتفت إليها « 2 » ، لتوهّمه ورود بعض هذه الاشكالات عليها ، ممّا لا يلتفت إليه . وعن ( العيون ) عن الرّضا عليه السّلام : « أنّ اللّه تعالى قال لهما :
لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ
وأشار لهما إلى شجرة الحنطة ، ولم يقل لهما : لا تاكلا من هذه الشّجرة ولا ممّا كان من جنسها ، فلم يقربا تلك الشجرة ، فأكلا من غيرهما لمّا أن وسوس الشّيطان إليهما » « 3 » الخبر . وفيه إشعار بأنّه كان الأولى أن يراجع آدم عليه السّلام ربّه في إباحة ما كان من جنسها أو يحتاط ، فوسوس إليه الشّيطان وأوهمه نسخ حرمة تلك الشجرة الخاصّة لترتفع جهة الاحتياط ، وعليه كان جهة القبح في أكله أضعف ، ومخالفته أهون .
فَأَخْرَجَهُما
الشّيطان
مِمَّا كانا فِيهِ
من الجنّة ونعيمها
وَقُلْنَا
لآدم وحوّاء والحيّة وإبليس :
اهْبِطُوا
وتنزّلوا من الجنّة إلى الأرض في حال
بَعْضُكُمْ
مع نسله
لِبَعْضٍ
آخر ولذراريه
عَدُوٌّ
ومبغض . قيل : كان إهباط الشّيطان بعد إخراجه من الجنّة إهباطا من حواليها . ثمّ اعلم أنّ ظاهر غير واحد من الأخبار أنّ الجنّة التي كان آدم فيها كانت في السّماء ، ومقتضى ما مرّ « 4 » من قول الصادق عليه السّلام « إنّها كانت من جنّات الدنيا تطلع عليها الشّمس والقمر » أنّها كانت في الأرض ، وعلى هذا يكون المراد من الإهباط الانتقال من أرض الجنّة الأرضيّة إلى أرض غيرها ، كقوله تعالى :
اهْبِطُوا مِصْراً
« 5 » . في بيان حكمة إسكان آدم الجنّة مع أنّه خلق للخلافة في الأرض ، وحكمة ابتلائه بالخطيئة وتبعيده إن قيل : مقتضى قوله تعالى :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
« 6 » أنّ خلق آدم كان للسّكونة « 7 » في الأرض ، فلم أسكنه في الجنّة ؟ قلت : لعلّه لإظهار أنّ من لا ذنب له يستحقّ الجنّة .
هامش
( 1 ) . طه : 20 / 115 . ( 2 ) . تفسير الرازي 3 : 15 . ( 3 ) . عيون أخبار الرضا عليه السّلام 1 : 196 / 1 . ( 4 ) . تقدّم في أول تفسير الآيتين ( 35 و 36 ) من هذه السورة . ( 5 ) . البقرة : 2 / 61 . ( 6 ) . البقرة : 2 / 30 . ( 7 ) . كذا ومقتضى الاشتقاق أن يكون للسكن أو السّكنى .