تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
على جمع الذّرّات المتفرّقة في اللّقمة الواحدة ، ثمّ تفريق ذرّات فضلتها في جميع أعضاء الجسد ، ثمّ جمعها من تلك الأعضاء في وعاء واحد ، ثمّ خلقها شخصا عاقلا بصيرا سميعا ، كيف يعجز عن جمع أجزاء ترابه المتفرّقة بالموت وخلقها مرّة أخرى بصورتها الأولى ؟ ! بل هو سبحانه بالقدرة على هذا الجمع والخلق أحرى وأولى ، وقد نطق الكتاب العزيز بهذه الحجّة في مواضع : منها : في سورة الحجّ قال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ
إلى قوله :
وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً
إلى قوله :
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ
« 1 » . ومنها : قوله في الواقعة :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ * أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ
« 2 » إلى غير ذلك من الآيات . ثمّ تفكّر في قدرة اللّه في خلق الأشجار والزروع كما نبّه اللّه عليه بقوله :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ
« 3 » حيث إنّ للأشجار نواة ، وللزروع حبوبا ، ولكلّ من النواة والحبوب أقسام وأشكال ، منها مطوّل مشقوق كنواة التّمر وحبّ الحنطة والشّعير ، ومنها غير مشقوق كالأرزّ ، ومنها مثلّث ، ومنها مربّع ، ومنها مدوّر إلى غير ذلك من الأشكال . فإذا وقع الحبّ في الأرض واستولت عليه الرطوبة ، مع أنّ مقتضى الطبيعة أن يتعفّن ويفسد ، ومع ذلك يحفظه اللّه ويربّيه بين المفسدات ، ثمّ إذا ازدادت الرطوبة يظهر في رأس الحبّ الطويل ثقب تخرج منه ورقة طويلة كزرع الحنطة والشّعير وأمثالهما ، وأمّا الحبّ غير الطّويل فينفلق فلقتين فيخرج منه ورقتان ، وأمّا النّواة فمع ما فيها من الصّلابة التي يعجز عن فلقها أغلب النّاس فتنفلق بإذن اللّه ، فيخرج منها شجران : أحدهما صاعد إلى السّماء ، له أوراق وغصون وثمار ، لكلّ جزء منه لون وطعم وطبيعة ، مغاير لسائر الأجزاء ، ؤ الشجر الآخر هابط غائص في أعماق الأرض ، مع اتّحاد طبيعة النّواة وعنصرها الماء والهواء والتراب . ثمّ انظر كيف أودعت القدرة في تينك الشجرتين الأجزاء الناريّة التي تباين ما استقرّت فيه من جميع الجهات ، فإنّ الشجرتين هابطتان كثيفتات رطبتان باردتان ظلمانيّتان ، والنار صاعدة لطيفة
هامش
( 1 ) . الحج : 22 / 5 - 7 . ( 2 ) . الواقعة : 56 / 5 - 7 . ( 3 ) . الواقعة : 56 / 58 و 59 .