تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
الغائيّة وإن كانت بوجودها العلمي بتقدمة على معلولها ولكن بوجودها الخارجيّ متأخّرة عنه . فعلى هذا ، لمّا علمنا أنّ وجود السّماوات بما فيها من الكواكب والأرض وما فيها من الجبال والبحار ، سابق على وجود الإنسان ، علمنا أنّ جميعها مقدّمات لوجوده ومخلوقات له ، وأمّا النّباتات وسائر الحيوانات فلمّا رأينا أنّ الإنسان قاهر على جميعها ، منتفع بأغلبها ، أكمل من كلّها ، علمنا أنّه علّة غائيّة لجميعها ، لأنّ الأشرف الأكمل لا يمكن أن يكون مقدّمة للأخسّ الأنقص ، ولا يعقل أن يكون الأخسّ علّة غائيّة لوجود الأشرف ، فثبت أنّ غير الإنسان من الموجودات الجسمانيّة مخلوق له ، وهو علّة غائية لإيجاد غيره . وأمّا قولنا : إنّه لولا المعاد لكان خلق الإنسان عبثا ، فلأنّه لا بدّ أن يكون لخلق الإنسان الذي هو أعجوبة الكون ، وآية عالم الملك والملكوت من غرض مهمّ لائق بالحكيم ، وصلاح ملزم في نظر العقل السليم ، ولا يمكن أن يكون الغرض والمصلحة في خلقه هو التعيّش في هذا العالم مدّة قليلة ، والتمتّع بأمتعتها الخسيسة الرّذيلة ، مع شوبها بالآلام الكثيرة والأسقام الوفيرة ، والبلايا والمنايا ، والهموم والغموم ، والمضارّ والمشاقّ ، أضعاف ما يصيب من اللّذّة والتمتّع ، ثمّ يكون موت وانعدام ، لبداهة عدم صلاحيّته لأن يكون غرضا للحكيم في هذا الخلق القويم الذي أمر ملائكتة بالسجود له « 1 » الذي هو أعلى مراتب التّعظيم . فإذن لا يتصوّر غرض آخر في خلقه إلّا تحصيله الكمالات النفسانيّة ، واكتسابه الملكات الجميلة الروحانيّة وارتقاؤه إلى درجات القرب والعبوديّة بالمعارف الإلهية والأعمال الصالحة ، ولا يتمّ إلّا بجعل التكاليف والأحكام المولويّة وإرسال الرسل وإنزال الكتب ، فلو لم يكن عالم آخر يجزى ويثاب فيه المطيع ، ويجزى ويعاقب فيه العاصي ، لزم كونهما متساويين ، وعدم المزيّة في البين ، بل كون العاصي أحسن حالا من المطيع لتلذّذه بالمشتهيات النفسانيّة واستفادته بالأمتعة الدنيويّة أزيد من المؤمن المطيع ، لكونه مدّة عمره في تعب الطّاعة ومشقّة الزهد والرياضة . فثبت أنّه لا بدّ من عالم آخر يجد المطيع فيه ثواب طاعته ، والعاصي تبعات معصيته ، قال تعالى :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
« 2 » . [ 2 ] ومنها : أنّه لا شبهة أنّ الإنسان خلق مدنيّا بالطبع ، بمعنى أنّه لا يمكن لكلّ فرد منه التعيّش إلّا
هامش
( 1 ) . في النسخة : بسجوده . ( 2 ) . النجم : 53 / 31 .