تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
عن عكرمة ، أنّه قال : أهل الجنّة ولد ثلاث وثلاثين سنة رجالهم ونساؤهم ، وقامتهم سبعون « 1 » ذراعا على قامة أبيهم آدم ، جرد « 2 » مكحّلون ، عليهم سبعون حلّة ، لكلّ حلّة في كلّ ساعة سبعون لونا ، لا يبزقون ولا يتمخّطون ، وما كان فوق ذلك من أذى فهو أبعد ، يزدادون كلّ ساعة حسنا وجمالا كما يزداد أهل الدنيا هرما وضعفا ، لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم « 3 » . في إثبات المعاد ثمّ اعلم أنّ المعاد الجسماني من ضروريّات دين الاسلام ، بل وسائر الأديان ، والعقل القاطع والنّقل الساطع حاكمان على إمكانه ووقوعه ، أمّا إمكانه عقلا فلوضوح أنّ إيجاد عالم آخر ، وإعادة النّاس ، ليس من الممتنعات الذاتيّة كشريك الباري ، ولا من المحالات العرضيّة لعدم استلزامه لقبيح أو محال ، والقول بأنّ الزائل لا يمكن أن يعود - على فرض تسليمه - فإنّما هو العود بعينه وبجميع مشخّصاته الزمانيّة والمكانيّة وغيرهما . وأما تصوير مادته بصورة مماثلة لصورتها السابقة ، بحيث يقال : هذا هو ، فليس من الإعادة التي قالوا بامتناعها ، وهذه نظير لبنة سوّيت أولا بتراب مخصوص وقالب خاصّ ، ثمّ كسرت وفتّتت ، ثمّ سوّيت ثانيا بذلك التراب وذلك القالب ، بحيث كلّ من رأى اللّبنة الثانية قال : هي اللّبنة الأولى « 4 » . وأمّا قدرته تعالى فلا يتصوّر ولا يعقل فيها قصور عن الإعادة ، وقد استدلّ في مواضع من كتابه العزيز على قدرته على الإعادة بقدرته على الإبداء ، قال :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى
« 5 » وقال :
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
« 6 » . بل لا شبهة أنّ الإعادة أهون من الإبداء لكونه بلا مثال سابق كما قال :
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
« 7 » فلينظر العاقل إلى بدو خلقه ، فإنّ مادّة نطفته كانت ذرّات متفرّقة في أطراف العالم ، فجمعها اللّه تعالى في لقمة واحدة ، ثمّ فرّق فضلة الهضم الرّابع منها كالذّرّات في جميع أعضاء بدن الرجل ، ثمّ جمعها اللّه تعالى بالقوّة الشهويّة في وعاء المنيّ ، ولذا تلتذّ جميع الأعضاء بالوقاع ، لحصول انحلال ذرّات المنيّ عنها ، ثمّ أخرجها اللّه ماء دافقا إلى قرار الرّحم ، فمن هو قادر
هامش
( 1 ) . في تفسير روح البيان : ستون . ( 2 ) . في تفسير روح البيان : آدم ، شباب جرد مرد . ( 3 ) . تفسير روح البيان 1 : 84 . ( 4 ) . وقد ورد حديث عن الإمام الصادق عليه السّلام في هذا المضمون راجع : الاحتجاج : 354 . ( 5 ) . الأحقاف : 46 / 33 . ( 6 ) . يس : 36 / 79 . ( 7 ) . الروم : 30 / 27 .