تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
ثم كأنّه يقال : ما سبب نفاقهم مع وضوح الحقّ ؟ فقال تعالى :
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
عظيم من الحسد والكبر وحبّ الجاه والعناد للحقّ ، فأورث فساد أوراحهم وهلاكهم الأبديّ ، وأين هذا المرض من الأمراض الجسمانيّة التي غاية شدّتها أن تنتهي إلى الموت وفساد الجسد ! وفي الحديث : « القلوب أربعة : قلب فيه نفاق وإيمان ، إذا أدرك الموت صاحبه على نفاقه هلك ، وإن أدركه على إيمانه نجا ، وقلب منكوس وهو قلب المشرك ، وقلب مطبوع وهو قلب المنافق ، وقلب أزهر أجرد وهو قلب المؤمن ، فيه كهيئة السّراج ، إن أعطاه اللّه شكر ، وإن ابتلاه صبر » « 1 » الخبر .
فَزادَهُمُ اللَّهُ
بسبب ظهور الآيات ، وتوافر المعجزات ، وزيادة حشمة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وقوّة الإسلام
مَرَضاً
وحسدا زائدا على حسدهم ، وبغضا وعنادا أشدّ من بغضهم وعنادهم السّابق ، فإنّ الأمراض القلبية تتزايد ، والصفات الذّميمة تشتدّ إذا لم تعالج عند الأطبّاء الروحانيين وهم الأنبياء والأولياء . ثمّ هدّدهم اللّه بقوله :
وَلَهُمْ
في الآخرة
عَذابٌ أَلِيمٌ
بالغ ألمه غايته
بِما كانُوا يَكْذِبُونَ
في قولهم : آمنّا باللّه وباليوم الآخر ، أو قولهم : إنّا على البيعة والعهد مقيمون . ثمّ بالغ سبحانه في بيان غاية خبثهم وقساوتهم ببيان عدم قبولهم النّصح ، بقوله :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ
نصحا ووعظا ، والظاهر أنّ القائل بعض المؤمنين المطّلعين على فساد نيّتهم وإفسادهم
لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ .
قيل : كان فسادهم فيها أنّهم كانوا يمايلون الكفّار على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم ، وإغرائهم عليهم ، وذلك ممّا يؤدي إلى هيج الفتن بينهم . وقيل : هو مداراتهم الكفّار ومخالطته إيّاهم ، حيث يوهم ذلك مع تظاهرهم بالإيمان ، ضعف أمر النبيّ وأصحابه ، فيصير سببا لطمع الكفّار فيهم فتهيج الفتن والحروب بينهم . وقيل : كانوا يدعون في السّرّ إلى تكذيب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، ويلقون الشّبه في قلوب المؤمنين . وعن ابن عبّاس : أنّ المراد بالإفساد إظهار معصية اللّه « 2 » . فإنّ الشرائع سنن موضوعة بين العباد ، فإذا تمسّك الخلق بها زال العدوان ولزم كلّ شأنه ، فحقنت الدّماء ، وضبطت الأموال ، وحفظت الفروج ، فكان ذلك صلاح الأرض وأهلها ، أمّا إذا أهملت الشريعة وأقدم كلّ أحد على ما يهواه ، اشتعلت نوائر
هامش
( 1 ) . الكافي 2 : 309 / 2 . ( 2 ) . تفسير الرازي 2 : 66 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 209 | الشيخ محمد النهاوندي