تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
أقول : الظاهر - بالنّظر إلى الرّوايات - أنّ شأن نزول الآية جماعة المنافقين الذين كانوا من أصحابه صلّى اللّه عليه وآله ولكنّها جارية على سائر المنافقين في سائر الأزمنة إلى يوم القيامة ، وفيها دلالة على أنّه لا ينبغي الوثوق بإيمان كلّ من كان داخلا في الصّحابة وعمله وقوله حسنا في الظاهر ، كما هو مبنى مذهب العامّة ، وفيها إشعار أيضا بأنّ أهمّ أركان الإيمان هو الإيمان بالمبدأ والمعاد . ثمّ قرعهم اللّه بقوله :
يُخادِعُونَ اللَّهَ
بمعاملتهم مع رسوله معاملة المخادع ، ولكونه صلّى اللّه عليه وآله خليفة اللّه ومظهر صفاته وعينه الناظرة ويده الباسطة واذنه الواعية نزّل مخادعته منزلة مخادعة اللّه . عن ابن بابويه : عن الصادق عليه السّلام عن أبيه « [ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ] سئل : فيما النّجاة غدا ؟ فقال : إنّما النّجاة في أن لا تخادعوا اللّه فيخدعكم ، فإنّه من يخادع اللّه يخدعه ويخلع منه الإيمان ، ونفسه يخدع لو يشعر . فقيل له : وكيف يخادع اللّه ؟ فقال : يعمل بما أمره اللّه عزّ وجلّ به ثم يريد به غيره ، فاتّقوا اللّه واجتنبوا الرياء فإنّه شرك باللّه عزّ وجلّ ، إنّ المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء : يا كافر ، يا فاجر ، يا غادر ، يا خاسر » « 1 » الخبر . وفيه دلالة على أنّ مخادعة اللّه لا تختصّ بالمنافق المعروف ، بل تعمّ كلّ من يظهر شأنا ومقاما من الدّين وهو ليس بواجد له ، وكلّ من يظهر حقّا لا يوافق ظاهره باطنه
وَ
يخادعون
الَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
لأنّ ضرر مخادعتهم راجع إلى أنفسهم لا إلى المؤمنين
وَما يَشْعُرُونَ
أنّهم بخديعتهم ونفاقهم يضرّون على أنفسهم ، بل يحسبون أنّهم يجلبون النّفع ، أو لا يشعرون أنّه لا يمكنهم الخديعة بالنّسبة إلى اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وآله والمؤمنين ، فإنّ الخدعة فعل ما هو مضرّ على الغير مع إخفاء ضرّه وإظهار صلاحه ، واللّه مطّلع على خفايا أمورهم ، وكفر باطنهم ، وهو يطلع نبيّه والمؤمنين ، ويأمرهم بلعنهم ، فيكون الأمر بخلاف ما تخيّلوا ، حيث إنّ نفاقهم مضر عليهم مع خفاء ضرره عنهم ، وفي سلب الحواسّ الحيوانية عنهم دلالة على انحطاطهم عن مرتبة البهائم .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 10 إلى 12 ]

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ( 12 )
هامش
( 1 ) . أمالي الصدوق : 677 / 921 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 208 | الشيخ محمد النهاوندي