تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
يعبدك الجاهلون بك المغيّبيون عنك » « 1 » . أقول : الظاهر أنّ المراد من قوله : « لا نريد منك غيرك » ، أنّه لا نريد بعبادتك نيل مطلوب من نعم الدنيا أو ثواب الآخرة ، ولا دفع مكروه صوريّ أو معنوي ، دنيويّ أو اخرويّ ، بل نريد بها أداء حقك حيث إنّك مستحقّ لها بوجوب الذّات وكمال الصّفات والنّعم السابغات ، وهذه هي العبادة الحقيقيّة ، وغيرها من سائر الغايات المنظورة هي عبادة غيره ، والتعبير بصيغة مع الغير لإدراج عبادته في عبادة الحفظة أو حاضري صلاة الجماعة أو سائر العبّاد الموحّدين المخلصين ، استحقارا لعبادة نفسه وإشعارا بأنّ عبادته غير قابلة بأن تذكر أو ينظر إليها إلّا بتبع عبادة المخلصين . ثمّ لمّا كان العبد مخلوقا من الضّعف ، فلا قوّة له على العمل إلّا بحوله تعالى ، ولا حول له إلّا بعونه ، ولا يرجى منه خير إلّا بتسديده وتوفيقه ، وكان في إسناد العبادة إلى نفسه إيهام العجب بقدرته واستقلاله في فعله وعمله ، أمر بأن يسأل الإعانة من اللّه عليها ، بقوله :
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
على طاعتك وعبادتك والعمل بمرضاتك ، وعلى دفع شرور أعدائك وردّ مكائدهم ، وتخصيص الاستعانة به نتيجة التوحيد ومعرفة ربوبيّته تعالى ومربوبيّة نفسه ، حيث إنّ فيه إشارة إلى أنّه القادر المطلق ، وأنّ قدرة غيره منتهية إليه ، وأنّه الكافي لجميع ما سواه ، ولا كافي غيره ، وفي إدخال استعانته في ضمن استعانة الموحّدين استيجاب ببركتهم . ثمّ لمّا كان أهمّ المقاصد وأعظمها هو الهداية إلى عبادات موصلة إلى رضوانه ، محصّلة للسّعادات الأبديّة من قربه وجنانه ، خصّ طلب الإعانة بها ، فكأنّه قال تعالى : كيف أعينك فيقول :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
ودلّنا على النّهج الحقّ القويم . في ذكر معنى الصراط والجمع بين الأخبار عن ( تفسير الإمام ) : عن الصادق صلوات اللّه عليه : « يعني أرشدنا للزوم الطّريق المؤدّي إلى محبّتك ، والمبلغ إلى جنّتك ، والمانع من أن نتّبع أهواءنا فنعطب ، أو أن نأخذ بآرائنا فنهلك » « 2 » . وعن ( المعاني ) عنه عليه السّلام : « هي الطّريق إلى معرفة اللّه ، وهما صرطان : صراط في الدنيا ، وصراط في الآخرة ، فأمّا الصّراط في الدنيا فهو الإمام المفترض الطّاعة ، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مرّ على
هامش
( 1 ) . تفسير الصافي 1 : 72 . ( 2 ) . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السّلام : 44 / 20 ، تفسير الصافي 1 : 72 .