تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
إلى الغير بالإحسان إليه ، ودفع المضارّ عنه ، الناشئ عن مبدأ في الذّات ، كان هو الرّقّة أو الحكمة ، والظاهر أنّه لا وجه لتخصيصه برقّة القلب حتّى يكون معناه الحقيقيّ مختصّا بالمخلوقين ، ويكون إطلاقهما على اللّه مجازا . ولعلّه لدلالة ( الرحمن ) بهيئته على المبالغة والشدّة دلّ على الرّحمة العامّة الشاملة لجميع الموجودات من الخلق والرّزق وسائر الإنعامات ، فجميع الموجودات في جميع العوالم من الملك والملكوت والبرزخ والآخرة ، وجودها وبقاؤها بشمول الرّحمة الرّحمانيّة . وأمّا ( الرّحيم ) فلعلّه لعدم دلالته على المبالغة والشدّة ، اختصّ بالرّحمة الخاصّة بالمؤمنين من الهداية إلى الحقّ والتوفيق للإيمان والأعمال الصالحة وحسن العاقبة والجنّة والنعم الاخرويّة الدائمة ، ولتقدّم الرّحمة العامّة على الرّحمة الخاصّة قدّم اسم الرّحمن على الرّحيم ، وإن اقتضت إفادة الشدّة تأخّره عنه لتأخّر مرتبة الشدّة عن الضّعف . في نكتة الاقتصار في البسملة بذكر الأسامي الثلاثة ولعلّ وجه الاقتصار في المقام على ذكر الأسامي الثلاثة المباركات جامعيّتها لجميع الخيرات والبركات ، حيث إنّ اسم الجلالة مبدأ فيض الخلق والإيجاد ، واسم الرّحمن مبدأ فيض الترتيبيّة والنعم الدنيويّة ، واسم الرّحيم مبدأ فيض الهداية والتوفيق وسائر التّفضّلات الاخرويّة على المؤمنين . قيل : إنّ اللّه تعالى ثلاثة آلاف اسم ، ألف منها عرفها الملائكة لا غير ، وألف منها عرفها الأنبياء لا غير ، وثلاثمائة في التّوراة ، وثلاثمائة في الإنجيل ، وثلاثمائة في الزّبور ، وتسعة وتسعون في القرآن ، وواحد استأثر اللّه به نفسه ، ومعنى هذه الثلاثة آلاف منطوية في هذه الأسماء الثلاثة ، فمن علمها وقالها فكأنّما ذكر اللّه تعالى بكلّ أسمائه « 1 » . وروي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في فضيلة هذه الآية المباركة ، أنّه قال : « ليلة أسري بي إلى السّماء عرض عليّ جميع الجنان ، فرأيت فيها أربعة أنهار : نهرا من ماء ، ونهرا من لبن ، ونهرا من خمر ، ونهرا من عسل . فقلت : يا جبرئيل ، من أين تجيىء هذه الأنهار وإلى أين تذهب ؟ قال : تذهب إلى حوض الكوثر ، ولا أدري من أين تجيىء ، فادع اللّه تعالى ليعلّمك ، أو يريك . فدعا ربّه ، فجاء ملك فسلّم على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ثمّ قال : يا محمد ، غّمض عينيك . قال : فغمّضت عيني ، ثمّ قال : افتح عينيك ، ففتحت فإذا أنا عند
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 1 : 9 .