تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
العبوديّة من التلاوة وسائر الطاعات ، كمال وجوده وقوّة نفسه ، بقوله بقصد الإنشاء والدعاء : « أسم نفسي بسمة اللّه » أي اللهمّ أعلم نفسي بعلامتك ، وأكمل فيض الوجود فيّ بجودك وفيّاضيّتك . وهذا السؤال والطلب ملازم للاستعانة ومساو لها ، كما أنّ إفاضة الفيّاض عليه إجابة منه وإعانة ، فتكون الاستعانة باسم اللّه مدلولا التزاميّا لقوله : أسم نفسي بسمة اللّه . ولعلّه لكون مفهوم الاستعانة أقرب إلى أفهام العامّة ، فسّر
بِسْمِ اللَّهِ *
في بعض الروايات بقوله : أستعين باللّه « 1 » ، ثمّ يمكن على هذا التفسير أن يكون وجه تعليق الاستعانة بالاسم مع أنّها في الواقع بالمسمّى ، وهو ذاته سبحانه وتعالى ، أنّ فيه نوع تأدّب في التعبير ، أو الإشارة إلى أنّ أسماء اللّه تعالى من جهة حكايتها عن الذّات المقدّسة واتّحادها معها اتّحاد الكاشف مع المكشوف ، لها قوّة نورانيّة وكمال وجوديّ به تكون مؤثّرات في الوجود ، ويكفي العبد أن يستعين بها ويطلب القوّة على العمل بذكرها . وعن ( التوحيد ) : عن الباقر عليه السّلام في تفسير لفظ الجلالة ، قال : « اللّه معناه المعبود الذي أله الخلق عن درك ماهيّته والإحاطة بكيفيّته ، ويقول العرب : أله الرجل ، إذا تحيّر في الشيء فلم يحط به علما . ووله : إذا فزع إلى شيء ممّا يحذره ويخافة » « 2 » . وروي أنّ رجلا قام إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فقال : يا أمير المؤمنين ، أخبرني عن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *
ما معناه ؟ فقال : « إنّ قولك : اللّه أعظم [ اسم ] من أسماء اللّه عزّ وجلّ ، وهو الاسم الذي لا ينبغي أن يسمّى به غير اللّه ، ولم يتسمّ به مخلوق » . فقال الرجل : بما يفسر قوله : اللّه ؟ قال عليه السّلام : « هو الذي يتألّه إليه عند الحوائج والشدائد كلّ مخلوق عند انقطاع الرّجاء من جميع من [ هو ] دونه » « 3 » الخبر . في أنّ اسم الجلالة علم لذاته تعالى أقول : وإن كان الظاهر من الرّوايتين أنّ معنى اللفظ المبارك معنى اشتقاقيّ إلا أنّ الحقّ أنّه علم للذّات المقدّسة ، لعدم استعماله وصفا ، بل هو في جميع الاستعمالات يكون موصوفا ، ولعدم صراحة دلالة كلمة الإخلاص - وهي : لا إله إلّا اللّه - على التوحيد إلّا إذا كان لفظ الجلالة علما ، ولبعد أن يكون للذّات المقدسة في سائر اللغات علم مخصوص دون اللّغة العربيّة التي هي أوسع من سائر اللغات وأكملها وأشرفها . وعلى هذا فلا بدّ من حمل الروايات على بيان وجه مناسبة المعاني الاشتقاقيّة لوضعه العلميّ ، وإنّ
هامش
( 1 ) . راجع : التوحيد 230 / 5 . ( 2 ) . التوحيد : 89 / 2 . ( 3 ) . التوحيد : 231 / 5 .