تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
عن حالات سيّئة وآلام شديدة تعرض للشّيطان عند اشتغال العبد بهذه العبادات لكمال اشمئزازه عنها . ونقل أنّه من استعاذ باللّه على وجه الحقيقة وعن صميم القلب ، جعل اللّه بينه وبين الشّيطان ثلاثمائة حجاب ، كلّ حجاب كما بين السماء والأرض « 1 » . وقيل : إنّ التعوّذ باللّه رجوع من الخلق إلى الخالق ، ومن الحاجة التامّة التي تكون للنّفس إلى الغنى التامّ بالحقّ ، ومن العجز إلى القدرة في كلّ الخيرات ، واكتساب البركات ، ودفع جميع الشرور والآفات ، ففيه سرّ قوله :
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
« 2 » . ومن الواضح أنّ لكثرة فوائد الاستعاذة كثرت الرّوايات في الترغيب إليها عند الشّروع في كلّ أمر من الأمور الدينيّة والأعمال الخيريّة التي من أهمّها تلاوة القرآن العظيم والكتاب الكريم . قال اللّه تعالى :
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ
« 3 » فإنّ التأدّب بأدب اللّه مؤدّ إلى الفلاح الدائم والسعادة اللازمة ، ثمّ إنّه بعد ما التجأ العبد إلى اللّه تعالى بالجنان واللسان ، وتمكّن في حصن الرّحمن ، وامتنع من مكائد الشّيطان ، وحصل له الأمان ، ينبغي أن يستمدّ من ربّه ، ويقتبس نورا لقلبه ، حتّى يقوى على العمل ، ويفوز بما رجاه وأمّل من غير ملل ولا فتور ولا كسل ، بل بحضور القلب والانبساط ، وكمال الشوق والنشاط ، وطمأنينة النفس وانشراح الصدر ، وليس ذلك إلّا بذكر اللّه
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
« 4 » فإنّ بالذكر بعد الاستعاذة تحصل نورانيّة معنويّة للرّوح ، كما أنّ به تحصل طهارة ظاهريّة جسمانيّة للحيوان المذكّى ، وترتّب الذكر على الاستعاذة من جهة تأخّر رتبة التحلية على التّخلية ، والإقبال على اللّه على الانقطاع عمّا سواه ، إذ إنّه ليس للمؤمن حالّ يكون فيه أقرب إلى اللّه من حال يكون ذاكرا .
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 1 : 5 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 1 : 5 ، والآية من سورة الذاريات : 51 / 50 . ( 3 ) . النحل : 16 / 98 . ( 4 ) . الرعد : 13 / 28 .