وفي ذكر هذه الآيات عند بعثه إلى فرعون وقومه دلالة على أنه يذهب إليه مزودا بآيات تترى آية بعد آية وكل آية حجة عليهم ، ودليل قاطع ، ولكنهم أصروا على كفرهم حتى أغرقوا .
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 13 ) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
( 14 ) .
الفاء للإفصاح ، أي أنهم لما جاءت الآيات التسع مبصرة موضحة مبينة كأنها الأبصار التي تبصر ، وهي ذاتها بصائر بينة واضحة ، قالوا هذا سحر مبين ، ومبين معناها واضح بين ، وذلك لقصر مداركهم ، وقد كانوا يظنون العصا سحرا ، وجمع السحرة في المدائن حاشرين ، وأيقنوا أنها آية اللّه وليست بسحر ، ثم كان اختبارهم بالقمل والضفادع ، والدم آيات مفصلات ، فهل كانت سحرا ، لعلهم لغلبة الأوهام عليهم ، ولعدم إيمانهم ولعدم إدراكهم الفرق بين الحق والباطل قالوا أيضا : إنها سحر ، فقد كان غالبا على تفكيرهم ، ويعدون السحرة علماء لهم .
وهم في هذا الادعاء كانوا ضالين يدركون الحقائق ، وتذعن أفهام لها ، ولكنهم يجحدونها ، وهي بينة واضحة يذعن لها أهل الحق ، ولذا قال تعالى في حالهم
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
، والجحود نفى ما يثبت في العقل ، وإثبات ما ينفى في العقل ، فهؤلاء يجحدون الحق بعقولهم وأقوالهم ، ولكن نفوسهم مستيقنة لأنها لا سبيل لها لأن تنكر وتجحد ، فهم بتوارد الأدلة المختلفة ، وتكاثرها ؛ ولأن نفوسهم فطرية يستيقنون ويذعنون ولكن يعارضهم جو عام وبىء ، فنفوسهم مستيقنة بالحق ، وتذعن له لولا مقاومة التيارات الفاسدة التي تدفعهم إلى الجحود دفعا .
وقد بين سبحانه وتعالى ذلك مشيرا إليه بأنه الظلم ، فقال :
ظُلْماً وَعُلُوًّا
، وهما مفعول لأجله ، من فعل
( وَجَحَدُوا )
، أي جحدوا وأنكروا ، وخالفوا نفوسهم ، وفطرتهم ، لأجل الظلم ، أي استمرارهم في الظلم والطغيان ، ومعاضدتهم لفرعون في ظلمه وعدوانه وإرادتهم العلو في الأرض ، وقد أدى ذلك