إله ، كما يدعى لنفسه بين المصريين ، ويقول مستخفا لهم
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
( 38 ) [ القصص ] ووصف ذاته العلية بقوله :
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
، أي القوى الغالب على كل شئ ، الحكيم الذي يدبر الوجود كله على مقتضى علمه الذي أحاط بكل شئ علما ، وفي ذلك إشعار بأن فرعون الطاغية لن يرهبه ، ولن يفزعه ، إذا احتدم الأمر .
ولكن موسى يود أن يطمئن إلى أن اللّه تعالى هو الذي يخاطبه ويمنحه ذلك الشرف ، ولذا أمره بأن يلقى عصاه حجة تدل على أن اللّه تعالى هو الذي يخاطبه ، فقال :
وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
( 10 ) .
كان موسى في حال من يكون في حيرة من أمره ، يخاطبه اللّه ، فاللّه جل جلاله أزال عنه هذه الخشية ، بدليل قاطع يدل على أن اللّه تعالى يخاطبه ، وأنه رسول من عنده ، بالعصا - ألقاها ، فتحولت العصا إلى شئ يهتز ويضطرب كأنه حية تسعى ، والجان هنا حية تهتز وتتحرك ، فلما رآها كذلك
وَلَّى مُدْبِراً
، أي سائرا إلى الخلف ، وظهره كأنه وجهه ولم يعقب ، أي لم يرجع ، كالجندى الذي يقاتل يرتد إلى الوراء ليحسن الهجوم ، فيعقب على خصمه يضربه ، ولكن رجوع موسى عليه السلام كان رجوع الخائف الفزع الوجل ، ليس من شأنه أن يقدم بعد إحجامه ، بل يحجم لغير غاية ، ولذا قال تعالى عالما بخوفه :
لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
أمره سبحانه بألا يخاف تأنيا له وتقريبا ، وبيانا له بأنه كالئه وحاميه ، ولا يخاف من اللّه ناصره ، وقال تعالى ما هو بمنزلة السبب للنهي
إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
إني لا يمكن أن يخاف عندي المرسلون ؛ لأنى مانع كل شر عنهم ، ولا يمكن أن ينالهم عندي إلا الأمان الذي لا يكون بعده أمان ، فكيف تخاف ، وأنت في حضرة المولى جل جلاله ، ثم فوق ذلك أنت مرسل من قبلي للدعوة إلى الهداية ، وكيف يخاف مرسل أرسله مع المرسلين .