فيستثنى من هؤلاء الشعراء الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وامتلأت قلوبهم بذكر اللّه ، وذكروا اللّه كثيرا ، كعبد اللّه بن رواحة وحسان بن ثابت ، وكعب بن زهير ، وأولئك انتصروا للحق وناصروه ، وكانوا يدفعون الهجاء عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومنهم من قاد الجيوش ، واستشهد أمام الروم في غزوة مؤتة ، وهو عبد اللّه بن رواحة .
ويصح أن يكون الاستثناء منقطعا ، ومستثنى من الضالين ، ويكون معنى
( إِلَّا )
لكن ، والمعنى : والشعراء يتبعهم الغاوون إلى آخره ، لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا اللّه كثيرا بأن امتلأت قلوبهم بذكره ، وانتصروا أي انتصفوا من المشركين من بعد ظلموا فإنهم يتبعون الحق ويتبعهم أهل الحق .
وقوله تعالى
مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا
( 227 ) ،
( ما )
مصدر حرفى أي من بعد ظلمهم ، وإرهاقهم في أمرهم ، وكل هذا كان بيانا لنصرة اللّه تعالى من بعد الأذى في مكة ، وإشارة إلى وعد اللّه تعالى بالنصر المبين ، وانتصر معناها انتصف بنيله النصر ، بعد جهاد في سبيل اللّه تعالى .
وقوله تعالى :
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
.
السين هنا لتأكيد الفعل في المستقبل ، والعلم الذي سيعلمونه هو علم المعاينة ، إذ سيرون العذاب ، وسيحسونه نازلا بهم ، إذ يكونون في جهنم ، وبئس المهاد ، والتعبير بالموصول لبيان أن الصلة هي سبب ما ينزل بهم من عذاب شديد ، لا يعرفونه الآن ، وسيعرفونه من بعد ، وقد ظلموا أولا بالشرك ، وثانيا بتكذيب الرسل ، وثالثا بإنكارهم للقرآن ، ورميهم له بأنه تنزل به الشياطين ، وأنه كأقوال الكهان ، وغير ذلك مما ظلمت به العقيدة ، والحقائق ، وقد أضافوا إلى ذلك ظلم العباد ، والصد عن سبيل اللّه تعالى ، والمنقلب هو انقلابهم من الطغيان إلى المهانة ، ومن رغد العيش إلى شدته ، وقد أبهم هذا المنقلب ، تأكيدا للتهديد ، والإنذار الشديد .