نَمُوتُ وَنَحْيا
أي يولد من يولد ، ويموت من يموت ، ويحيا بالميلاد من يحيا ، كما نرى الموتى والأحياء ، فهم يقرون بالواقع المحسوس فقط ، ليموت من يموت ، ولا يعود ، ويولد من يولد فيحيا ثم يموت ، ولا عود لمن مات ، ولذا حكى عنهم أنهم يقولون :
وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
أكدوا النفي بالباء ، وبنفي الوصف ، أي ليس من شأننا أن نبعث ؛ لأن من مات لا يعود ؛ ولأنه لا تحيا العظام بعد أن صارت رميما .
بعد هذا الإنكار الذي من شأن الذين كذبوا بلقاء الآخرة ينتقلون من مرتبة الإنكار المجرد ، إلى مرتبة التهجم على مقام الرسالة ، فيقولون :
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ
( 38 ) .
الافتراء : الاختلاق ؛ لأنه افتعال من فرى بمعنى قطع ، أي أنه قطع واشتد في اختلاق الكذب ، بما قال من قول بعيد عن معقولهم وأهوائهم ، وادعوا أنه افتراء الكذب على اللّه تعالى ، وهو أعظم الافتراء ،
إِنْ
نافية ، وبعدها الاستثناء فهو نفى وإيجاب ، ومعنى ذلك أنهم قصروا حال الرسول على افتراء الكذب على اللّه تعالى ، وكأن عبارتهم فيها نوع تحقير لرسولهم ، إذ يقولون :
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ
من غير أن يذكروا اسمه ، أو رسالته ، ويحصرونه في الافتراء عليه سبحانه ، ثم يردفون ذلك مؤكدين كفرهم
وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ
، أي ما نحن بمذعنين لقوله ولا مصدقين به ، ولتضمن الإيمان معنى الإذعان والتسليم عدى باللام ، أي ما نحن بمصدقين ، ولا مذعنين له .
كان كلامهم هذا إيذانا بالإيذاء ، وقد هددوه ، ولذا يتجه الرسول إلى من أرسله ، فيطلب نصره :
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ
( 39 ) .
اتجه الرسول ، وهو أي رسول جاء بعد نوح ، فهم في معاندة الكافرين لهم ، والتجائهم إلى ربهم بسبب صورة واحدة تكررت في القرون التي جاءت بعده عليه