السلام ، تبين طبائع بعض الناس في تلقى الحق ، وتبين صبر الرسل ، وبقاء العنت من أقوامهم . ونادى ربه الحافظ الكالئ الحامي ،
انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ
، أي التكذيب ، وما تبع التكذيب من إعنات وإيذاء ، ومقاومة عنيفة آثمة ، فطلب النصرة لا يكون من التكذيب المجرد ، إنما يكون مما يصحبه ويكون ملازما له .
أجابه ربه بأن نصره قريب فقال له :
قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ
( 40 ) .
عَمَّا
هنا لتأكيد القول ، ولبيان القلة الزمنية التي تكون حتى ينزل عليهم عذاب اللّه الساحق الماحق ، أي عن قليل من الزمن متجاوزين عنه أي تاركين له أي قلة في غيهم يرتعون
لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ
على كفرهم وعلى عنادهم ، وصدهم عن سبيل اللّه بعد مقاومتهم للحق .
وقد تأكد نزول العذاب بهم بمؤكدات ، فأكد أولا - ب « ما » المؤكدة ، وثانيا - بالقسم ، وثالثا - لام القسم ، ورابعا - نون التوكيد الثقيلة ، وقد بين سبحانه كيف نزل بهم العذاب ، فعبر عن أمر اللّه بعذابهم بصيحة أرجفت أرضهم وديارهم ، وجاءتهم بريح صرصر عاتية ، فقال :
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
( 41 ) .
« الفاء » عاطفة على القسم السابق جاء ما بعده فوره ، أي بعد زمن ليس ببعيد في علم ، والصيحة بالحق هي إرادة اللّه التي تكون بالحق دائما ، فهي كناية عن إرادة اللّه تعالى التي لا يتخلف حكمها ساعة من زمان ، وكانت هذه الإرادة تتجلى في رجفة تجعل عالي الأرض سافلها ، أو تدكدك الديار ، أو بريح صرصر عاتية ، كما فعل اللّه مع قوم لوط وعاد وثمود .
وقوله تعالى :
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ
تعبير مجازى مؤداه أنه نزلت بهم آثارها التي أرادها اللّه تعالى بهم ، وقد شبهت الصيحة بسبع : التهمهم وأخذهم ؛ لأنها لم تبق منهم ولم تذر ، وقال تعالى :
فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً
الفاء عاطفة على
فَأَخَذَتْهُمُ
،