تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5397

مساهمون:

ص٥٣٩٧
وتدل ثانيا ، على أن الرسول يكون من بينهم ، ولذلك عبر عنه بأنه أخوهم وقبل ذلك في نوح وهود وصالح ، ويقال في لوط أيضا . وتدل ثالثا ، على أمانة من أرسل إليهم ، وأنهم عرفوا بين أقوامهم بذلك ، وتدل رابعا ، على أنهم لا يطلبون أجرا من جاه أو من مال إنما يطلبون الأجر من عند اللّه وحده . وقد أشرنا إلى ذلك من قبل ، وقد خاطب بعد ذلك نبي اللّه لوط قومه مستنكرا شنيع أفعالهم ، فقال عليه السلام فيما حكاه اللّه عنه من
أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ
. الذكران جمع ذكر كذكور ، ولكن جاء النص كذلك ليكون تشنيعا أشد ، وأحسب أنه لا يكون ذكرانا جمعا إلا لذكور الإنسان ، وفي التعبير
أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ
كناية لطيفة ، والاستفهام لاستنكار الواقع بمعنى التوبيخ وبيان شناعة العمل ، لأنه ضد الفطرة ، وعبر بالإتيان كإتيان الرجل المرأة ، ولكنه في دبره ، فهو إفساد للفطرة ، وأحسن من عبّر عنه بالشذوذ الجنسي ؛ لأنه دليل على فساد الفطرة وشناعة الفعل في ذاته ، وقوله تعالى
مِنَ الْعالَمِينَ
أي من أهل المعرفة والعلم ، ولا يرضى بذلك إلا من هو أشد فسادا من الفاعلين ، وإن ذلك يشيع ويكثر كلما فسدت الفطر ، وقد كثر في الماضي في قوم لوط ، وكثر في الحاضر في أهل أوروبا وأمريكا ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه . وإنهم ليتركون الفطرة ، ولذا قال تعالى :
وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ
تذرون ، فعلها الماضي لا يذكر ، ولكن الزمخشري ذكره في كتابه أساس البلاغة ونص على أنه يقال : ذروا هذا الأمر ، فيقولون وذرناه .
وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ
تدل على الترك والإهمال ، وتلك إحدى الكبر ، كأنهم يرتكبون أمرين : أولا الفعل مع الذكران ، وإهمال الأزواج ، ولذلك قالوا إن التعبير ب
تَذَرُونَ
أبلغ من تتركون ، والآية تدل على أن الفطرة