فَعَقَرُوها
أي نحروها ، وذلك لوسوسة الشيطان لهم ؛ ولأن النفس تحاول معرفة الغريب من الأشياء ، وهي مولعة بالغريب من الأمور ، ولقد كان وجودها بينهم فوق أنها دلالة النبوة ، ومعجزة النبي مثيرة لاستغرابهم ، وحملهم على الضبط ، فلما عقروها ، وقدروا خواصها
فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ
على فعلتهم ، لما فاتهم من خيرها ، ولأنهم رأوا خواصها ، ولأنهم توقعوا العقاب الأليم بعدها ، ولذا قال تعالى فيهم :
فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ
، أي أن الندم استغرقهم ، وصار حالا دائمة لهم .
والعاقر بلا ريب بعضهم ، ولكنه برضاهم ؛ لأنهم لم ينهوه ، فنسب الفعل إليهم ، لأنهم لم يتناهوا عن هذا المنكر الذي نبهوا بالنهى عنه تنبيها شديدا وأنذروا بعذاب يوم عظيم .
ولم يمنع الندم العذاب عنهم
فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ
أي أن العذاب سيطر عليهم كأنه أخذهم إليه أخذا . وقال الحافظ ابن كثير في هذا العذاب : هو أن أرضهم زلزلت زلزالا شديدا ، وجاءتهم صيحة عظيمة اقتلعت القلوب من محالها ، وأتاهم من الأمر ما لم يكونوا يحتسبون وأصبحوا في ديارهم جاثمين .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
الإشارة إلى الناقة وهي معجزة ، وعقرها ، ونزول العذاب بعده ، وهذه كلها آيات بينات على نبوة صالح ، وعلى قدرة اللّه الباهرة ، وعلى فرض الضلالة الظاهرة .
ومع هذه الآيات
ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
بل كان المؤمنون هم القلة الظاهرة ، لأن إبليس يجرى في نفوس أتباعه مجرى الدم ، واللّه بكل شئ عليم .
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
الخطاب لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ليسليه بهذا القصص الحكيم المشتمل على العبر ليصبر كما صبر قبله النبيون ، وليعلم أن المعجزات الحسية لا تتبعها الهداية الحتمية ، والقرآن هو المعجزة الكبرى ، وإن لم تكن في إعجازها حسية ، والعزيز هو الغالب القوى العليم بالنفوس وشقوتها وسعادتها ، وهدايتها وضلالها .