تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5392

مساهمون:

ص٥٣٩٢
للحساب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وأطيعونى فيما أنقل إليكم من شرائع ربكم التي فيها استقامة أموركم ، وصلاح أحوالكم . وإن الناس هم الذين يفسدون الناس ، ويخلقون في الأرض أجواء فاسدة ، وأولئك هم المسرفون ، ولذا قال بعد هذا
وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ
. والمسرفون هم الذين يخرجون بطبيعتهم البشرية عن حد الاعتدال ، إلى حد الإسراف ، فيسرفون في شهواتهم حتى يصيروا عبيدا للشهوات ، ويسرفون في أوهامهم ، فيحسبون ما تدفع إليه الأوهام حقيقة ، وليست إلا وهما باطلا ، ويسرفون في طلب السلطان فلا يحسبون أنه لإقامة العدل والقسطاس المستقيم ، ويسرفون في القوة فلا يحسبونها لحماية الضعفاء ، بل يظنونها للاستعلاء والاستكبار عليهم ، وليجعلوهم عبيدا أذلاء . وهكذا كان المسرفون مفسدين لنفوسهم ولمجتمعهم ؛ ولذا قال تعالى في وضعهم العام :
الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ
. وصف اللّه تعالى المسرفين في ذات أنفسهم أنهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، ذلك بأنهم بإسرافهم على أنفسهم في شهواتهم ، وقواتهم ، وغرائزهم يميلون إلى الأثرة فيجعلون كل ما وهبهم اللّه لأنفسهم ، وليس لغيرهم حق من الحقوق ، فيكون الاعتداء الظالم ، ويكون التغالب لسيطرة الباطل ، وهضم الحقوق ، وأي فساد للناس أكثر من أن يكون قانون الغابة هو الحكم بين الناس ،
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ
( 251 ) [ البقرة ] فالمسرفون يفسدون دائما ولا يصلحون ، قرر اللّه لهم وصفين : إيجابي ، وهو الفساد المترتب على إسرافهم ، والوصف الثاني سلبى فقال :
وَلا يُصْلِحُونَ
أي لا يمكن أن يكون منهم إصلاح كالذي يدعيه الطغاة من الحكام ، والأقوياء من الأمراء من أنهم يصلحون بين الناس ، وإن الوجود في حاجة إليهم ، ولا نشعر ، فهذا النص السامي يرد كلامهم في أعناقهم ، إلا أن يخرجوا عن إسرافهم في نفوسهم ، وعلى مجتمعهم .