يقربهم إلى اللّه زلفى هو أن يملئوا نفوسهم بالتقوى ، حتى يعمر قلبهم بالإيمان به ، ويبتعدوا عن التمرد ، وينتقلوا من طريق الشر إلى طريق الخير ، فيأمرهم بتقوى اللّه وطاعته ؛ لأن طاعته طاعة للّه تعالى ، وقد أشرنا إلى ذلك في معاني الآيات الأولى لقصة هود وعاد ، وهذا هو معنى الآيات الخمس الأولى من قصة صالح وثمود ، وهي قوله تعالى :
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ ( 141 ) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَ لا تَتَّقُونَ ( 142 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 143 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 144 ) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ
( 145 ) .
ابتدأ سبحانه وتعالى بأن خاطبهم أخوهم صالح ، يذكر لهم أنهم قد أوتوا نعما ، فلا يمكن أن يتركوا هملا من غير مسؤولية على ما حملوا من نعم ، فبقدر النعمة تكون النقمة ، كما قال تعالى :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
( 115 ) [ المؤمنون ] فقال لهم
أَ تُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ ( 146 ) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 147 ) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ ( 148 ) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ
.
أَ تُتْرَكُونَ
- الهمزة للاستفهام الإنكارى بمعنى نفى الوقوع ، أي لا تتركون فيما هاهنا ، أي في هذا المكان آمنين ، أي لا تتركون في هذا المكان آمنين من الموت والحساب والعقاب أو الثواب إن حبستم أنفسكم ، ولكن الموت حق عليكم وهو يأتيكم بكل الأسباب ، وذلك يستدعى أن تفكروا في عواقب أموركم ، ولا تحسبوا أنها نعمة لا حساب عليها ، ولا عواقب تعقبها ، إن خيرا فالنعيم بعدها ، وإن شرا فالعذاب الأليم من ورائها .
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
الجار والمجرور متعلق بتتركون ، أو بآمنين ، والجنات جمع جنة والعيون عيون الماء المثمرة كما أشرنا من قبل ، والجنات الأشجار الباسقة من كروم ، وتفاح ورمان وغيرها ، وزروع ، جمع زرع وهو النبات الذي يكون منه الحب المتراكب ويتغذى منه الإنسان ، والذي يكون منه السنابل من قمح وأرز وغير ذلك من النعم التي أنعم بها على الإنسان في غذائه ، ويشمل النبات والحشائش التي تكون كلأ الأنعام ، وخص النخل بالذكر ، لأنه كان غذاء العرب ،