تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5391

مساهمون:

ص٥٣٩١
حتى سمى العرب أمة التمر واللبن ، وكان ذكره بعد النبات لبيان إنعام اللّه تعالى على الإنسان بالغذاء بكل أنواعه ، فأهل المدر غذاؤهم من النبات ذي الحب المتراكب ، وفرى السنابل ، وأهل الوبر غذاؤهم من النخل في أكثره ، واللّه هو المنعم للفريقين . والضمير في قوله تعالى :
طَلْعُها هَضِيمٌ
يعود على النخل ؛ لأن النخل أنثى ، أو لأنه جمع ما لا يعقل ، إذ النخل اسم جنس جمعى للنخلة ، ويفرق بين المفرد والجمع بالتاء أو ياء النسب ، وقد فرق بينهما هنا بالتاء . والطلع ، ما يطلع من جوف النخل كنصل السيف ، والهضيم اللطيف المنضم المتلاصق في وعائه في الجوف قبل أن يظهر ، وهو اليانع النضيج ، وهذه الأوصاف تكون بحسب الحال ، وبحسب المآل إذ يكون منه البلح الرطب ، وأجود التمر . بعد ذلك ذكر نعمة عليهم ، ولهم فيها عمل بتهيئة الأسباب ، فقال تعالي :
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ
في فارهين هذه القراءة ، وفيها قراءة أخرى فرهين ، وكلاهما بمعنى واحد ، ولا اختلاف في المعنى بين القراءتين ، أي يبنون في الجبال بيوتا ، لا بلبنات ينقلونها ، بل بنحت فيه تسوية وبرد ، وإذهاب أجزاء وإبقاء أجزاء ،
فارِهِينَ
حال ومعناها حاذقين متحصنين بها معجبين متجبرين . وهذا الكلام من اللّه سبحانه وتعالى يفيد أنهم في نعم بما في الأرض من جنات وعيون ، وزروع ونخل طيب وبيوت تنحتونها وتسوونها من الجبال ، ويحسبون أنهم متروكون ويأكلون ويشربون ، ويتلهون متجبرين عابثين .
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 150 ) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ( 151 ) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ
( 152 ) . الفاء هنا للإفصاح ، أي إذا كنتم على هذه الحال من النعم التي أحاطت بكم ، فاتقوا اللّه ، أي فاملئوا أنفسكم بتقوى اللّه ومهابته شكرا للنعمة ، وتوقعا