تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5356

مساهمون:

ص٥٣٥٦
وإن أولئك آمنوا حقا وصدقا ، إذ إنهم تركوا الأجر ، وكان كبيرا ، وتركوا الازدلاف إلى فرعون والقرب منه والتحكم باسمه ، ورضوا بأن يقطعوا ويصلبوا وذلك هو الإيمان حقا وصدقا . طغى طغيان فرعون ، وظهر حمقه ، فبدل أن يذعن للحكم الذي اختاره ثار عليهم وقال :
قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
( 49 ) . داهية نزلت بألوهية فرعون ، وتأثيره في قومه ، وبطلان حجته في رد موسى أمام حشد مجتمع ، من مدائن مصر كلها ليشهدوا نصرته ، فشهدوا بطلان حجته ، وهزيمته ، فاستخدم الطغيان ليحول الأذهان ، ولتكون رهبته محل حجته
آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ
إذا جعلنا همزة استفهام ، في القول ، وإذا لم يكن استفهام يكون ذكر الإيمان قبل الإذن منه ، هو الاستنكار ، كأنه ملك قلوبهم وأجسادهم وخواطرهم ونوازع نفوسهم ، وهذا شأن كل جبار متحكم ، كأنه ملك الأفئدة والعقول والنفوس ؛ لأن الذين حوله يوعزون له بذلك ، وبأن هذا حق اللّه فرضته الطاعة ، ثم الألوهية الباطلة ، وقوله تعالى - له - أي مذعنين خاضعين له . ولم يفرض أنه الحق بموجب علمهم ، وتفريقهم بين باطل السحر ، ومعجزة الحق ، بل فرض أنه كبيرهم الذي علمهم السحر ليموّه على الناس ، فقال إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ، فأنتم تتبعون معلمكم ولا تتبعوني . ثم انتقل من التضليل إلى التهديد كشأن الطغاة دائما إذا ما حل بهم الدليل يسترون عجزهم بالتهديد ، فيقول :
فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، واللام تفيد توكيد التهديد ، وسوف - لبيان تأكيد العلم في المستقبل ، وهو علم معاينة لا علم إخبار ، ولذا ذكر ما هدد به نافذا واقعا
لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ
أي : يد من جانب ، ورجل من جانب ،
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
إن التصليب يكون مقارنا للقتل ، فكأنه هددهم بأمور ثلاثة أولها