الأعراف
قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ
( 116 ) وقالوا وهم يلقون الحبال والعصى التي سحروا بها أعين الناس
وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ
أي متيمنين مقسمين بعزة فرعون مؤكدين بذلك أن الغلب لهم وأكدوا عليه أولا بأنّ ، وباللام ، وبنحن المؤكدة للضمير تأكيدا لفظيا ، وبقصر الغلب عليهم بتعريف الطرفين أي أنهم وحدهم الغالبون دون غيرهم ، ولن يغلب موسى وقد قالوا ذلك بعد التأكد من الأجر الكبير والتقريب .
فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ
( 45 ) والفاء أيضا للعطف والتعقيب أي سارع موسى عليه السلام معتمدا على اللّه تعالى ، وعلى عزته ، وقدرته سبحانه القاهرة ، وقوله تعالى :
فَإِذا هِيَ
هي للمفاجأة ، أي أنه كانت المفاجأة الكبرى لهم وللحشد المجتمع ، تبتلع ما يأفكون ، أي تلقف الحبال والعصى التي كانوا يكذبون بها ويصرفون عن المعجزة بسحر أعين الناس واسترهابهم ، والإفك يتضمن معنى الكذب والصرف عن الحق الواضح الجلى ، وهنا تبدو المعجزة جلية بينة لأهل الخبرة في السحر ، ويعلمون أن ما جاء به موسى ليس من نوع السحر ، بل هو إعجاز اللّه تعالى ، ولذا قال تعالى عنهم :
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ( 46 ) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 47 ) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ
( 48 ) .
والفاء كما قلنا لترتيب والتعقيب أي أنهم فور ما رأوا أن العصا تلقف ما يأفكون ، فتبتلع مادة سحرهم التي تسحر العيون ، ووجدوا حقيقة لا تخييلا ولا وهما ، فكان الحق فأسرعوا بالسجود ، وقوله تعالى
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ
، مبنى للمفعول إشارة إلى أن إيمانهم وإذعانهم للحق هو الذي ألقاهم ساجدين ، وكأنهم غير مختارين ولا مريدين ، فالسجود كان مساوقا للعلم الذي أوتوه من معجزة موسى عليه السلام ، و
قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ
، لأنه المنشئ القاهر القدير الكالئ الحامي
رَبِّ مُوسى وَهارُونَ
.
وإن هذا يدل على صفاء نفوس هؤلاء ، وقد أشرنا في الآيات السابقة إلى أنهم لم يكونوا مذعنين لما يدعيه فرعون ، كما يبدو من لحن أقوالهم .