وتسيير الجبال تحريكها من أماكنها ، وتكسيرها فتكون هذه الأوتاد الشامخة منكسرة متفتتة ، كما قال تعالى :
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا ( 5 ) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا
( 6 ) [ الواقعة ] ، وكما قال تعالى :
وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ ( 3 ) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ
( 4 ) [ التكوير ] ،
وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً
، أي ترى في هذا الوقت صعيد الأرض بارزا ، ليس عليه جبال كالأوتاد والأشجار وبرز ما في باطنها من أحجار وفلزات ، وبرز ما فيها من القبور ، كما قال تعالى :
إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ( 1 ) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ( 2 ) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ ( 3 ) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ( 4 ) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
( 5 ) [ الانفطار ] .
وهكذا ينهى الكون بارئه ، ويذهب هذه الحياة بانيها ، ومن بعد ذلك ، وقد أبرز كل شئ خالق كل شئ عندئذ يكون الحشر ولا يغادر منهم أحدا ؛ ولذا قال تعالى :
وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً
، أي حشرناهم في ذلك اليوم لا نترك أحدا ، وعبر سبحانه بالماضي لتأكد هذا الحشر ، واستعمال الماضي في مقام المضارع لتأكد الوقوع ، وعبر سبحانه بالفعل حشر للإشارة إلى جمعهم غير مريدين ، أو مختارين ، وأنهم جميعا متلاقون الضالون والمضلون ، وأنهم بعد ذلك يعرضون على ربهم ؛ ولذا قال تعالى :
وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً
( 48 ) .
أي أنهم في هذا المحشر الذي حشروا فيه لم يكونوا مجهولين ، أو أن الازدحام جعلهم غير معروفين ، بل إنهم كانوا مع هذا الجمع الحاشد معروفين مميزين عند رب العالمين الذي لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
( 14 ) [ الملك ] ، بل إنهم عرضوا صفا كما يعرض الجنود صفوفا متراصة أمام قائدهم يلقى إليهم أوامر ، فكذلك صفهم اللّه تعالى صفوفا متميزة مقرا لهم بأنه يعلمهم ، يذكر اللّه لهم بلسان ملائكته أو إن حال الموقف كأنهم يخاطبون بالقول :
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ