[ الواقعة ] ، وفوق ذلك أن الجنة فيها نعيم الرجال والنساء ، ولا شك أن الأساور واللآلئ والحرير من نعيم النساء ، واللّه سبحانه وتعالى هو المكافئ العلى القدير .
وإنه بجوار هذا النعيم الحسى من كل الجوانب في الجنة النعيم المعنوي ؛ ولذا قال تعالى :
وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ
( 24 ) .
هذا وصف لأهل الجنة من أقوالهم وأفعالهم في الدنيا ، أم هو وصف لأقوالهم في الجنة ، وقبل أن نتكلم في مكان القول نشير إلى بعض ما يدل عليه :
القول الطيب هو القول الحق ، الذي يتقرب به إلى اللّه تعالى ، والذي يقرر القائل له كمال اللّه تعالى ووحدة ألوهيته والطاعة للّه تعالى ، وتكبيره ، وتقديسه ، وتسبيحه ، والخضوع المطلق له ، وحمده في كل وقت ، و
صِراطِ الْحَمِيدِ
، هي طريق اللّه تعالى بإعلان عبادته وحده لا يشرك به شيئا ، و
الْحَمِيدِ
، أي المحمود في كل ما يوصف به ، والإضافة إما أن تكون بيانية ، كقولهم خاتم حديد ، أي خاتم هو حديد ، ويكون المعنى صراط هو الحميد المحمود في كل مسالكه من مبتدئه إلى منتهاه ، فهو طريق كل خير ، ينتقل فيه من مرحلة خير إلى غيرها ، فهو مراحل الاستقامة تبتدئ من أولها إلى نهايتها ، ويصح أن يكون المراد من
الْحَمِيدِ
ذات اللّه تعالى لأنه المختص بالحمد ، ويكون المعنى ، وهدوا إلى طريق اللّه تعالى البالغة الموصلة له مثل قوله :
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ . . .
( 153 ) [ الأنعام ] ، وهدوا بالبناء للمجهول في الفعلين ، ولم يذكر الفاعل مع أن الهداية كلها من اللّه تعالى ، فحذف للعلم به ؛ ولأن الهداية تتعدد مسالكها ، فهي تبتدئ بعمل من المهدى بأن يتجه إلى الحق مخلصا النية ، فيأخذ اللّه بيده ويبلغ به إلى أقصى ما يبلغ به من مراتبه .
بقي أن نتكلم في زمانها ومكانها ، أكانت في الدنيا ، وهي التي أوصلتهم إلى هذا الجزاء الوفاق في الآخرة ، ويكون ذكرها في الجنة تحقيقا لها ، وتأكيدا لها